السنة الثالثة - العدد الثاني والأربعون – الأحد 2 آذار 2008

 

واقع السياسة والرجاء الذي فينا

 

        سمعتُ خطبة لأحد البارزين في الساحة السياسية اللبنانية. ما يقوله قابلٌ، في الظاهر، للتصديق. ليس في وسعي أن أحكم في ما إذا كانت معلوماته دقيقة أم لا. غير أنّ انطباعي كان أنّه واقعي ومنطقي في ما خَلُصَ إليه. لا شكّ أنّ المستمع بحاجة إلى حدّ أدنى من الثقة بمعلومات المتكلّم وإلاّ لا يسمعه. ليست هنا صعوبتي حيال ما سمعت. صعوبتي كانت أنّ المتحدّث يتوجّه إلى سامعيه بلغة الانفعال مستعيناً بمعلومات جمعها من هنا ومن هناك. الجهّة التي يتكلّم عليها يكنّ لها العداء. همُّه أن يدينها وأن يزكّي، حيالها، شعور العداء في نفوس سامعيه. والانفعال سهلٌ انتقاله وتحريكُه متى كان مَن يسمعك قابلاً لأفكارك وطروحاتك. ثمّ الانفعال يستحيل، بيسر، هياجاً، خاصة عندنا، نحن الشرقيّين. والهياج يعمِّق الحقد، فلا تعود ترى في مَن تتناوله خيراً لا سيما وأنّ الناس، بعامة، لا يقيمون تمييزاً بين البشر ومواقفهم. إذا كنتَ لا توافق إنساناً الرأيَ أو الموقفَ فإنّك، بصورة تلقائية، تكرهه هو وتحقد عليه. هذا يجعلك تدينه وتبرِّر نفسك. ردّات فعلك، إذ ذاك، مهما كانت عنيفة، تصير من حقِّك، على أساس القاعدة التي تقول "إنّ البادي أظلم". أنت، في عين نفسك، تمسي، والحال هذه، مظلوماً وخصمُك ظالماً. العقل، في هكذا مناخ، يتعطّل. يصبح خادماً لأهواء الناس. والقلب يمتلئ حقداً. مسحة الإنسان في وجه عدوِّك تغيب. كل هذا يجعلك خارج نطاق الحقّ. تستحيل آلة إثم ولا تعود إنساناً. ما دمت لا ترى في عدوِّك إلا شرّاً وفي نفسك خيراً ولمّا تعد ترى ما في عدوّك من خير وما في نفسك من شرّ فلست بعد في الحقّ. الصورة التي في نفسك عن خصمك وعن ذاتك تتشوّه. ما تنقله، إذ ذاك، ولو بدا قائماً على معلومات صحيحة وعرض منطقي، يكون خطاباً في معرض الباطل لا في معرض الحقّ. سياستك، والحال هذه، تمسي عوراء، بالإضافة إلى كونها حاقدة. إلى ذلك، تجدك، على نحو عفوي، تُخفي من الحقائق ما هو في مصلحتك. لا تتناول منها إلاّ نصفها أو ربعها تلافياً لإحراج أو لخسران. لذا تضيف إلى عور موقفك وحقده الرياءَ أو اللاحسَّ. السياسة، إن تحكَّمَ بها مثلت الفساد هذا تستحيل ساحة أمثلَ للشرّ والشرّير. تثير الناس على الناس. تفسد وتدمِّر. واقع السياسة في لبنان أنّها تجنح بالبلد وسكّانه إلى الخراب. السياسيون، في الممارسة اليوم، بعامة، طغمة مستكبرين معاندين مرائين همّها قِسمة البيت الواحد وإثارة الأحقاد بلوغاً إلى تحقيق مكاسب أو طموحات ذاتية.

        ناتج هذا كلّه، على صعيد الشعب، أنّ الناس ما عادوا يسمعون ولا عادوا يبصرون وامتلأت نفوسهم حقداً ووقعوا في الضلال. صرنا في بابل سياسية بكل معنى الكلمة. لا أحد يفهم أحداً. كلٌّ يكفّر الآخر. احتقان! يصدّقون الكذب. لنواياهم الشرّيرة أعمى الربّ الإله عيونهم لكي لا يُبصروا بعيونهم ولا يسمعوا بآذانهم ولا يرجعوا فأشفيهم. كل يتّهم مَن ليس من رأيه بأنّه متحيّز. القاعدة هي: "مَن ليس معي فهو عليّ". جعلوا السياسة عبادة وتحوّلوا عن الحقّ. كأني بلعنةٍ نزلت بشعب هذا البلد. لذا لم يعد هناك مجال لحوار. يتبادلون الانفعالات والشتائم، كما بين الساسة كذلك بين الناس. الكبير والصغير انضربا. كل تفصيل في الحياة العامة يتسيّس. هذا يذهب يميناً وذاك يذهب يساراً. السلبية الكاملة صارت أسلوباً معمّماً. الخصام بلغ الأوج.

        ثمّ أدوات التفرقة وسائل الإعلام. لذا بلغ النزاع كل فئات الناس. حتى الأولاد دخلوا مجال الصراع. البلد يتفكّك والناس سكارى انتماءاتهم السياسية. من كثرة ما يشحن القيِّمون على السياسة والإعلام المساكين صار الرغيف سياسياً والدواء سياسياً. يتناهشون البلد كأنّه استحال جيفة. لم تعد وسائل الإعلام مطرحاً لمقارعة الفكر للفكر. السياسة الكبيرة التي تبني النفوس وتغذي العقول لم يعد لنا فيها نصيب. مَن تتوسّم فيهم أن يكونوا حكّاماً للبلد باتوا أولاداً صغاراً في إدراكهم، "نطناطين" في توجّهاتهم. يملأون الدنيا زعيقاً ليثبتوا أنهم شيء وهم لا شيء. الطيِّبون ساكتون لأنّه ليس مَن يسمع. يتلقّون الضرب والخيبة بصمت. الكلام لم يعد ينفع. الساحة مشرّعة لصغار السياسيين وصغار النفوس. الناس في وضع مَن يشتهون أن ينهش بعضهم بعضاً. يترنّحون ما بين الخوف والعنف.

        إلى أين يذهب مساكين الأرض والحال هذه؟ إلى مَن يلتجئون؟ إذا كان هناك مَن يرتحلون إلى الخارج فهناك مَن لا يقدرون أو لا يريدون أن يرتحلوا. لبنان عندهم، على أوجاعهم، خير من الرحيل. هؤلاء ماذا تقول لهم؟ كيف تهدِّئ نفوسهم؟ الانتظار، الاصطبار، إلى متى؟ هؤلاء لهم ربُّهم عوناً. إيمانهم يبقيهم. محبّتهم لله والناس والبلد تفدي لبنان. على هؤلاء الاعتماد، على صلاتهم، على آلامهم الصامتة. صليبهم يعطي البلد القيامة. هؤلاء ملح الأرض. "لأجل شقاء المساكين لأجل أنين البائسين الآن أقوم يقول الرب". "لا تخافن أيّها القطيع الصغير فإنّ أباك سُرَّ أن يعطيك الملكوت". ليست معركتنا ضدّ عملاء الشرّ في هذا البلد. هؤلاء أدوات. الأشرار الصغار عملاء لأشرار أكبر منهم. ووراء الكل الشرّيرُ الذي يبثّ حبّ الموت في النفوس. سوف نبقى وننتصر بإذن الله، بالصبر والحبّ والوداعة، بالذي تجسّد، بالذي جعل الأرض موطناً له إلى جيل بعد جيل، بالقادر أن يحوّل جحيم البلد فردوساً كما وطئ الموت بالموت. "فليقم الله ويتبدّد جميع أعدائه ويهرب مبغضوه من أمام وجهه".

 

الأرشمندريت توما (بيطار)

رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما

 

فهرس نقاط على الحروف