
السنة
الثالثة -
العدد الحادي
والأربعون –
الأحد 24 شباط 2008
البدو
أكثر واقعية!
البدو
المحيطون
بدير
القدّيسة
كاترينا في سيناء،
سألتُ عن
عاداتهم
وسألتُ، من
جملة ما سألت،
عن مؤسّسة
الزواج عندهم.
كيف يتمّ
الزواج
بينهم؟ كيف
يتمّ اختيار
الزوجة؟ متى؟
كيف يتدبّر
المتزوِّجون
حديثاً أمور
المنزل والمعيشة
والعمل؟ ما هو
دور الزوج
الجديد بخاصة
وما هو دور
الجماعة التي
ينتمي إليها؟
إلى ما هنالك من
أسئلة في
الموضوع.
الزواج
عندهم يتمّ في
سنّ مبكِّرة.
دون العشرين
بعامة. أول ما
تأخذ
الحيويّة
الرجلية، في الحَدِث،
في التحرّك،
ويأخذ في
الانتباه،
بشيء من اللهف،
إلى النساء
والفتيات،
تبدأ العشيرة
في التفكير في
دفعه إلى
الزواج.
الإختيار،
عموماً، لا
يكون على أساس
فردي. الدور
الأول هو
للأهل
المباشرين
والعشيرة.
الزواج، كما
يبدو، في
المجتمع البدوي،
مسألة عائلية.
خطوط التقارب
بين العائلات
وكذا
المصاهرة
والتعاون
والتعاضد تكون،
في العادة،
شبه محدّدة.
وهذه تطغى في
الاعتبار.
الزواج
يُفكَّر فيه
ويُتمَّم وفق
هذه الخطوط
أولاً.
كل
المسائل
التفصيلية
ترتّبها
العشيرة. يُدبَّر
للزوجَين
الجديدَين
منزل مؤثّث
بما يلزم.
تُؤمَّن لهما
انطلاقة
معيشتهما عن
طريق الهدايا
المالية
وخلافها. ويُوفَّر
للزوج عمل
منتج. القاعدة
هي أن الفرد
للجماعة والجماعة
للفرد. كلٌّ
يعتبر نفسه
معنياً مباشرة
بزواج أحد
أفراد
العشيرة التي
ينتمي إليها.
النمط قبلي
عائلي بعامة.
في
هذا الإطار،
يكون الإنجاب
مبكِّراً
وقلّما يكون
هناك مجال
للفسق
والتفلّت.
الجماعة، بعامة،
لها كرامتها.
موضوع الزواج
لديها مقدّس وعليه
يتوقّف
تماسكها. لذا
خليّة الزواج
هي من طبيعة
فكر الجماعة
الإجمالي
وطريقة عيشها وتوجّهها.
طبعاً
حياة البدو
بسيطة
عموماً، لذا
تُحتَوى
الحاجات
الشخصية
والعامة بيسر.
قد تتسلّل حاجات
مختلفة إلى
الجماعة
البدوية من
الذين يحتكّون
بها، ولكن
تبقى
التركيبة
الداخلية
للوجدان
والعيش،
بعامة، صامدة.
في
خلفية كهذه،
تبدو صورة
الزواج بيننا
مختلفة في
أكثر من بند.
الخيار بات،
بالأحرى،
فردياً.
العروس
والعريس
يختار كلٌّ
الآخر. التأثير
العائلي ضعف.
الاعتبارات
العائلية أقل
شأناً من
الاعتبارات
الشخصية.
علاقة الشاب
بالفتاة لم
تعد محكومة بفكرة
الزواج. هاجس
الزواج وهن.
عنصر الزواج
الأول بات
العشق. هذا
جعل ثبات
الزواج، إلى
حدّ بعيد،
رهناً
بالمزاج.
ركائز
العائلة مالت
إلى الركاكة.
الطلاقات
والخلافات
زادت كثيراً.
والزواج،
أصلاً، في
خضّم
العلاقات
المفتوحة بين
الشاب
والفتاة، لم
يعد مطلباً
ملحّاً. الميل
هو إلى تأجيل
الزواج إلى
سنّ متأخّرة
نسبياً أو إلى
الاكتفاء
بالعلاقات
المفتوحة أو استبدال
الزواج
بالمساكنة.
الإنجاب
تأثّر. العائلة
تحجّمت
وتربية
الأولاد، في
مناخ العشق
المعمّم،
تميل إلى
العطب. الفسق
والخيانات الزوجية،
في هكذا مناخ،
يكثر ويتطبّع.
عملياً
الزواج انضرب
وكذلك
العائلة. لا
يمكن القول
إنّ الزيجات
على أساس
الخيار
الفردي أكثر
ثباتاً ولا
أكثر سعادة
ولا أوفق في
تربية
الأولاد من
الزيجات على
أساس الخيار
العائلي أو
البدوي أو
العشائري.
العكس،
بعامة، هو
الصحيح.
وغير
صحيح أيضاً
أنّ الحبّ
يأتي قبل
الزواج وعلى
أساسه يتمّ الزواج.
الحبّ يأتي من
العِشرة، من
العيش
المشترك. لذلك
يأتي بعد
الزواج لا
قبله. ما يأتي
قبل الزواج هو
الاستحلاء،
هو العشق، هو
الرفقة، هو
الفسق. وغير
صحيح أيضاً
أنّه إن عرف
الشاب
الفتاة،
والعكس بالعكس،
قبل الزواج،
هذا يساعدهما
في أخذ القرار
المناسب بشأن
زواجهما. هذا
أحياناً يصحّ
ولكنّه ليس
قاعدة صلبة،
إذ كثيراً ما
يشوب معرفة
الاثنين
أحدهما للآخر
الإيحاء
والكذب والتمثيل
والتمويه. وفي
أغلب
الأحيان، قبل
الزواج، يبقى
الشريكان
المحتملان مُقفَلين
أحدهما عن
الآخر.
المعرفة
الحقّ تأتي
بعد الزواج لا
قبله. لذلك
التوافق
العائلي
والإيماني،
كقاعدة، أوفق.
طبعاً
التعميم في
هذا الاتجاه
أو ذاك غير
ممكن. ولكنْ
لو قارنّا
العائلة
اليوم
بالعائلة
بالأمس،
بعامة، لفاقت
العائلة
بالأمس
قرينتها
اليوم
بالثبات
والحبّ
والسعادة وتنشئة
الأولاد.
الطلاقات، في
الماضي، كانت
شبه معدومة.
النفوس كانت،
بعامة، أقوى،
لذلك
ارتجاجات
الزواج كانت
تُستوعَب
بشكل أفضل.
ثمّ الخيارات
على أساس عشائري
كانت معيناً
لثبات
الزوجَين في
القيم
العائلية. دور
المزاج في الزيجات
التقليدية
كان أضعف.
وتنشئة
الأولاد كانت
تتم، بعامة،
وفقاً لخطوط
تراثية
محدّدة. لذلك
كان طبيعياً
أن يساعد
الزواج، في
كنف العشيرة،
في حفظ
العشيرة
ونمائها فيما
الزواج على
أساس الخيار
الفردي يفكّك
الأربطة
الاجتماعية والتراثية
ويكرّس
التباعد
وتالياً
العزلة
الإنسانية
سواء في
العائلة
الواحدة أو
بين عائلة
وأخرى.
طبعاً،
العودة إلى
الوراء
متعذّرة.
الزواج التقليدي
غير ممكن
استعادته
لأنّ المناخ
كلّه تغيَّر
إلى حدّ بعيد.
على أننا لا
زلنا، في نطاقات
ضيِّقة ربما،
نتحسّس، خاصة
في الكنيسة،
أهمية القيم
العائلية
التقليدية.
لذلك الجمع
بين شيء من
هذه القيم
والنمط الفردي
في الخيار
الزوجي لا زال
ممكناً. لعمري
أنّ الْتِمَام
المؤمنين في
جماعات صغيرة
لا شكّ يساعد
في حفظ
التوازن بين
القديم
والحديث وكذا
القيم
التراثية.
ماذا لو تعاون
المؤمنون في
جماعات من
خمسين أو مائة
شخص على المعيشة
والحياة
الكنسية؟
ماذا لو تبنّى
الفرد
الجماعة
والجماعة
الفرد من
جديد؟ الزواج
المبكّر يعود
ممكناً
والحفاظ على
القيم الإنجيلية
يُسترد،
وكذلك
العبادة
المشتركة وسلامة
الحياة
الروحية
الشخصية
والجماعية.
تعود
الكنيسة، إذ
ذاك، كنيسة.
عبثاً نحاول
أن ننهض بالكنيسة
على نطاق
واسع. هذا
ربما نساعد
فيه بمقدار.
ولكن إحياء
الكنيسة في
مستوى
الجماعات
الصغيرة يكون
أكثر واقعية.
أن يكون لنا
صندوق مشترك
وعيش مشترك
واهتمام
مشترك وتربية
مشتركة وعبادة
مشتركة.
النهضة
الحقّ، إذا
شئناها واقعاً،
تمسي، في هكذا
نطاق، ممكنة
فعلاً. وهذه
المجموعات إن
تكاثرت
وتعاونت عمّ
فيها، وفي
الكنيسة، جو
جديد من
الحياة
المسيحيّة.
التغيير
الحقيقي يبدأ
في الجماعة
الصغيرة. والبقية،
إذ ترى الثمار،
تتبع.
دونك
زاد برسم
التأمّل
وربما
التجسيد!
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس
دير القدّيس
سلوان
الآثوسي –
دوما