السنة الثالثة - العدد السابع والثلاثون – الأحد 27 كانون الأول 2008

 

الجهل والزواج المختلط والوردة

 

        سوستان، بصورة خاصة، تنخران الوجدان الكنسي في أنطاكية، اليوم: الجهل والزواج المختلط. الجهل لأنّ معظم المسمَّين على الإيمان الأرثوذكسي لا يعرفون الأرثوذكسية. التعليم لا يصل إلاّ إلى القلّة القليلة. العائلة الأرثوذكسية، بالمعنى الصارم للكلمة، قلّما تجدها. ما تجده في البيت، في أحسن الحالات، بعض التقويّات وبقية عادات كنسيّة. العائلة الأرثوذكسية المستنيرة شواذ على المألوف. المعمودية تجري، في معظم الأحيان، دون أي تعليم أو توجيه للأهل. هذا بخلاف العرف في الكنيسة، في أزمنة البَرَكة، حين كان التعليم يسبق المعموديات ويمتد، أحياناً، حتى إلى فترات طويلة. ويزكّي الجهل في العائلة هيمنة النمط الطقوسي، الذي لا يتعدى، أحياناً كثيرة، الشكليات العبادية، في الكنيسة. وكذا النقص، وحتى النقص الكبير، في الرعاية الشاملة للمؤمنين، إما لنقص في عدد الرعاة وإما لعدم كفايتهم. عملياً، في إطار الواقع الكنسي الراهن، شعبنا بحاجة إلى شبه إعادة تبشير كاملة. في هذه الأثناء تلقى شعبنا عرضة لكل التأثيرات الدهرية والدينية والفكرية الآتية عليه من الاختلاط المعيشي والمدارس والحركات والمؤسسات غير الأرثوذكسية، وخاصة من خلال وسائل الإعلام.

        إذاً، الجهل، الجهل، سيّد الموقف. "هلك شعبي من عدم المعرفة" (هو 4: 6).

وإلى الجهل شبه المعمّم، تأتيك نازلة الزواج المختلط. المقصود بالزواج المختلط زواج الأرثوذكسيّين ممن يُعتبرن مسيحيات غير أرثوذكسيات وزواج الأرثوذكسيات ممن يُعتبرون مسيحيّين غير أرثوذكسيّين. طبعاً الزواج من غير المسيحيّين أو المسيحيات قليل نسبياً ولكنّه يشق طريقه إلى التطبيع بقوّة. الزواج المختلط، حتى القرن السابع عشر، في أوساطنا، كان نادراً. أما اليوم فقد تطبّع تطبيعاً كاملاً. الإحصاءات الأولية في نِسب الزيجات المختلطة مربكة ومقلقة جداً. ما بين السبعين والخمس والثمانين بالمائة من زيجات المسيحيّين الأرثوذكسيّين هي زيجات مختلطة، فيما نسبة مماثلة وربما أكثر من المسيحيات الأرثوذكسيات تنخرط في زيجات وغير المسيحيّين الأرثوذكسيّين. والزيجات المختلطة مطبّعة لا في وجدان عامة المؤمنين فقط بل لدى الأساقفة والكهنة أنفسهم، في معظم الحالات. ليس، إلاّ فيما ندر، مَن يلفت النظر إلى أنّ هناك ما يعيب في الزواج المختلط. ثمّ كل الترتيبات الإدارية متّخذة لترتيب أمر هذه الزيجات دون صعوبة. مَن يتزوج الشاب الأرثوذكسي أو الفتاة الأرثوذكسية هذا متروك لاستنسابهما. أذنات الزواج شكلية. موضوع الإيمان ليس عقبة في حال، على أساس قاعدة مغلوطة شاعت أنّنا كلّنا مسيحيّون.

        مع ذلك، لو عدنا إلى الوراء قليلاً لوجدنا أنّ أحد أبرز أسباب خراب إسرائيل القديم كان الزواج المختلط، زواج الإسرائيليّين والإسرائيليات من غير الإسرائيليّين والإسرائيليات. في سفر الخروج، في عزرا، في نحميا، تحذير واضح في هذا الشأن. لا تعطوا بناتكم لشعوب الأرض ولا تأخذوا بناتهم لبنيكم. السبب واضح. إذا ما فعلتم يفسد إيمانكم وإيمان أولادكم. لا تعود عبادة يهوه نقيّة بينكم. تتداخل عادات وعبادات الشعوب التي تدخلون في زواج معها وعاداتكم وعباداتكم. تموع عبادة يهوه فيما بينكم وتُشركون. تنشأ أجيالكم هجيناً. كان واضحاً لدى الأقدمين أنّ القاعدة التي يُفترض ان تُبنى عليها الزيجات هي الإيمان بالله. هذا لم يكن موضوعاً قابلاً للأخذ والرد. الزواج كان في إطار الإيمان الواحد لا خارجه. لذا كان واضحاً في الأذهان أنّ نقاوة الإيمان في العائلة هي أساس الجماعة المؤمنة. أَفْسِد العائلة تُفسِد الإيمان، وأَفسِد الإيمان تُفسِد الأمّة.

        ولعل هناك مَن يظنّ أنّ هذا الفكر كان خاصاً بالأقدمين ولم يعد له مبرّر بعد يسوع وانطلاق المسيحيّة. إذا كان الأقدمون يخشون عبادة الآلهة الغريبة من خلال الزيجات المختلطة، فالأرثوذكسيون في المسيحية كانوا يخشون البدع والهرطقات أن تتسلّل إلى الإيمان الأرثوذكسي في العائلة، وتالياً إلى الكنيسة، من خلال هذه الزيجات. دونكم بعض ما ورد في قوانين عدد من المجامع الكنسيّة، مما اجتمع في الشرع الكنسي لدينا ومما قلّما نبالي به اليوم. في القانون 53 من القوانين العربية المنسوبة إلى مجمع نيقية أنّ "الزواج بغير المؤمنين ممنوع". وفي القانون 10 من مجمع اللاذقية (364 م) أنّه "يجب على أعضاء الكنيسة ألا يزوِّجوا أولادهم، بدون تمييز، من المبتدعين". وفي القانون 31 من المجمع عينه أنّه "لا يجوز عقد زيجات مع المبتدعين ولا مصاهرتهم بإعطائهم أبناءنا وبناتنا...". وفي القانون 72 من مجمع ترولو (الخامس السادس) أنّه "لا يجوز لرجل أرثوذكسي أن يتزوّج امرأة مبتدعة ولا لامرأة أرثوذكسية أن تتزوّج مبتدعاً. فإذا ما اتفق حدوث شيء من هذا نطلب من المتزوجين اعتبار زيجتهم باطلة ويجب فسخها إذ لا يحسن مخالطة مَن لا تجوز مخالطته... وكل مَن خالف أوامرنا هذه فليُقطع".

        الأمر ذاته يعود ويتكرّر: نقاوة الإيمان! الزواج المختلط يهدّد نقاوة الإيمان. طالما هناك زواج كنسي يجري فالغرض الأول منه، شاء المتزوجان أو لم يشاءا، وعيا أو لم يعيا، هو إيماني. الموضوع غير قابل للجدل. مَن أراد أن يتزوّج في الكنيسة فهذا هو الغرض الأول من زواجه: إنشاء عائلة مسيحيّة أرثوذكسية. إذا لم يشأ أن يكون له في هذا الأمر نصيب فلا شأن له في الزواج الكنسي. طبعاً هذا الفكر في إطار الجهل المعمّم الذي نعانيه اليوم يجعل أكثر المقبلين على الزواج، لأنّهم غير مهيَّئين، يتحوّلون إما إلى الزواج المدني وإما إلى الزواج في كنائس غير أرثوذكسية. هذا أمر تلقائي. هذه ثمرة التسيُّب الحاصل من سنين. السؤال: ما العمل؟ أكثر المسؤولين الكنسيّين لا يشاء أن يواجه المشكلة فيترك الحبل على الغارب. بعض الذين يتشدّدون يُعتبرون أصوليِّين ويُصنَّفون زِمِّيتين وينفِّرون الناس ويجلبون على أنفسهم تصدّي الأساقفة والكهنة الآخرين لهم. الجو العام يجعلنا نميل إلى تكريس تصفية "تركة" الكنيسة الأرثوذكسية بتطبيع النشاز الحاصل. ليس مَن يريد مواجهة قضيّة أكبر منه تفاقمت حتى بلغت حداً يقرب من استحالة الإصلاح. أقلّه، يا ناس، أن نُطلع المقبلين على الزواج على الحقائق الإيمانية ثمّ نتركهم يختارون ما يشاؤون! أقلّه أن نعرّف شعبنا، أن نعلّمه! هذه خطوة أولى. ولكن أن نترك الأمور مسيَّبة على النحو الذي هي عليه فهذا هو الكفر بعينه. هذا هو الحكم بالإعدام على الأرثوذكسية بأيدينا! في كل حال، لأنّ الجهل متضامن عندنا مع الزواج المختلط، نجدنا بحاجة ماسة إلى استراتيجية تبشيرية جديدة تتيح لنا أن ننشر المعرفة الأرثوذكسية في صفوف مَن وجدنا أنفسنا قيّمين عليهم، كرعاة لهم، حتى لا يظن شعبنا أنّه بألف خير، يسلك وفقاً للقواعد والأصول فيما هو راتع في النشاز، يعاني الخلل والعطب والجهل. ونحن، كرعاة، إن خدّرنا أذهان الناس بالرضوخ للأمر الواقع وتطبيعه لهم فلا شك أنّ القول الإلهي، إذ ذاك، يشملنا: "يا ابن آدم تنبأ على رعاة إسرائيل تنبأ وقل لهم. هكذا قال السيّد الربّ للرعاة. ويل لرعاة إسرائيل الذين كانوا يرعون أنفسهم. ألا يرعى الرعاة الغنم... المريض لم تقوّوه والمجروح لم تعصبوه والمكسور لم تجبروه... والضال لم تطلبوه... فتشتّتت بلا راع وصارت مأكلاً لجميع وحوش الحقل... ضلّت عنّي في كل الجبال وعلى كل تلّ عال... ولم يكن مَن يسأل أو يفتّش" (حز 34).

        "يا أيتها الأرثوذكسية، تعصف بك آلاف الأرياح وتحاربك آلاف القوّات المظلمة وتثور، تريد اقتلاعك من العالم وتكافح لانتزاعك من قلوب الناس. أرادوا أن يجعلوا منك أملاً مفقوداً، متحفاً وماضياً مأساوياً وتاريخاً مرّ عليه الزمن وانتهى. إلاّ أنّ الله القدير، الثالوث القدّوس... هو الذي يسيطر على هذه الفوضى ويرميك في زاوية أبعد ما يمكن عن التوقّع ويغطّيك كوردة تحت صخرة. إنّه يحافظ عليك في نفوس أبسط الناس، الذين ليس لهم أيّة سلطة أو معرفة دنيوية. وها أنت باقية حتى اليوم..." (القدّيس نكتاريوس أسقف المدن الخمس).

 

الأرشمندريت توما (بيطار)

رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما

 

فهرس نقاط على الحروف