السنة الثالثة - العدد الرابع والثلاثون – الأحد 13 كانون الأول 2008

 

...ومبارَكاً تكون!

 

        ملكوت السموات هو الحياة الجديدة المعطاة للإنسان، الحياة النابعة من جوف الله، الحياة التي هي سكنى الثالوث القدّوس في البشر. هذا ما يجعل البشر قدّيسين. "إنّي أنا الربّ إلهكم فتتقدّسون وتكونون قدّيسين لأنّي أنا قدّوس" (لا 11). هذا ما يجعلهم أبناء الله. هذا ما يجعلهم آلهة بالنعمة. هذا هو معنى الخلاص. لذا ملكوت السموات قِبلتُنا. المهم أن نطلب الملكوت. كل ما طلبنا غير الملكوت لا ينفع شيئاً. غاية الحياة المسيحيّة اقتناء ملكوت السموات، اقتناء الآب والابن والروح القدس. ليس فقط أنّ الله لم يعد بعيداً، ولا هو معنا وحسب، الله فينا. وليس اللهَ بالمعنى العام والمبهم. بل الله الذي كشف نفسه. الله ظهر. ظهر آباً وابناً وروحاً قدساً، إلهاً واحداً. حين نقول "الله" نقصد الآب والابن والروح القدس، إلا إذا كان السياق يدلّ، بوضوح، على الله الآب أو على الله الابن أو على الله الروح القدس. الظهور عندنا ظهوران: ظهور الثالوث القدّوس وظهور الله الابن في الجسد. لا نستغربن، إذاً، متى قلنا "الله تجسّد" لأنّ المقصود هو الله الابن. ليس فقط أنّ ابن الله تجسّد بل أنّ الإله الابن تجسّد أيضاً. الله واحد لأنّ طبيعته واحدة. لكننا نميِّز في الله الآب والابن والروح القدس لأنّه أراد في كشفه لذاته أن نميِّز. كلامنا، إذاً، على ملكوت السموات هو كلام على الإله الواحد، آباً وابناً وروحاً قدساً مقيماً فينا.

        ملكوت السموات هذا لم يكن قبل يسوع. كان الكلام على الفردوس، على مثوى الأموات، ولكن لا على ملكوت السموات. هذا أتى بيسوع المسيح، ربّنا، وبغيره لم يأت. بيسوع اعتُلن الآب ويسوع هو الذي أرسل الروح القدس من عند الآب ليكون معنا وفينا. لذا كان الملكوت هو المبتغى، هو السرّ الذي منذ الأزل الذي اعتُلن بيسوع المسيح.

        يوحنّا المعمدان أتى كارزاً أن "توبوا فقد اقترب ملكوت السموات". اقترب ملكوت السموات لأنّ يوحنّا جاء سابقاً للمسيح، مهَيّئاً طريقه قدّامه، صوت صارخٍ في البرّية أعدّوا طريق الربّ، اصنعوا سبله مستقيمة. ما كان يدعو إليه يوحنّا كان التوبة. إذاً التوبة هي التهيئة للملكوت، هي الشرط، هي المناخ، هي المدخل إلى الملكوت. ولكنْ التوبةُ، ما هي التوبة؟ قالوا أن يعود الإنسان إلى الله، أن يغيّر ذهنه، أن يغيّر عقله، أن يغيّر قلبه. ولكنْ ماذا يعني ذلك؟ يعني أن يعود الإنسان ليدور في فلك الله، في فلك الثالوث بعد أن كان يدور حول نفسه وحسب. لا أن الإنسان لم يعد يدور حول نفسه ولكنْ أن الإنسان عاد ليدور أولاً حول ربّه. لذا كانت الوصيّة وصيّتين: "أحبّ الربّ إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل قدرتك" – هذا هو الدوران الكامل حول الله –، والوصيّة الثانية، "أحبّ قريبك كنفسك". إذاً يدور، أيضاً، حول قريبه. ولكن، لاحظوا: "كنفسك". إذاً يدور حول نفسه أيضاً. ودورانه حول نفسه يصير قياساً لدورانه حول قريبه. "كنفسك". الدوران حول النفس هنا ليس من دون الله، بديلاً عن الدوران حول الله بل على أساس الدوران حول الله وتمثّلاً به. بلى، الله يدور حول نفسه أيضاً لا من باب الانغلاق على الذات لأن الله ثالوث بل من باب الانفتاح الكامل للآب على الابن وللابن على الروح القدس وللروح القدس على الآب. نحن على مثال الثالوث ندور حول أحدنا الآخر. كل منا، على مثال الثالوث، يتحقّق، يتكشّف في دورانه حول قريبه. "مَن رآني فقد رأى الآب". قريبي هو وجهي، هو مرآتي، هو إياي في حال الحركة، حركة الحبّ. عندما يبلغ الإنسان، في دورانه، مرحلة التماهي، بالحبّ، وقريبه، يصير واحداً وإياه مع حفظ التمايز الكامل بينه كشخص وبين قريبه، تماماً كما الثالوث، آباً وابناً وروحاً قدساً، واحد لا بالجوهر وحسب، بل واحد بالحبّ أيضاً. نحن كبشر لا نقدر أن ندرك معنى أنّ الله واحد في الجوهر، هذا أكبر منا، ولكنْ ندرك، أو بإمكاننا أن ندرك، بنعمة الله طبعاً، ولكن بالخبرة، بخبرتنا أيضاً، أنّ الله واحد بالمحبّة. هكذا ظهر الله لنا. هكذا تكشّف. تكشّف بالمحبّة واحداً. محبّة الآب للابن انكشفت كاملة وكذا محبّة الابن للآب. "أنا والآب واحد". التماهي بالمحبّة بين الآب والابن واضح في كل ما فعله يسوع وما قاله. يسوع لا يتكلّم من عنده بل بما علّمه إياه الآب (يو 8: 28). طبعاً يسوع عارف بكل شيء وهو الله ويضع نفسه من ذاته، لكنّه، في آن، يستمدد معرفته، في حركة الحبّ، من الله أبيه. لا ينسب بالمحبّة شيئاً لذاته بل للآب. الآب الذي فيّ هو يعمل الأعمال" (يو 14: 10). لاحظوا "فيّ" و "هو يعمل الأعمال". بالمحبّة الكاملة يسوع يتماهى والآب، يمّحي، بمعنى أنّه يمّحي للآب بالحبّ وبإزائه ليوجَد فيه. هكذا يتجلّى الله في الحبّ، في حركة الوجود الممّحي، في التماهي الكامل بالروح مع الآب والروح القدس. نحن على هذه الصورة خُلقنا ولمثل هذا المثال دُعينا. حين لا تعود هناك مسافة بالمحبّة بيني وبين قريبي، حين أصبح أنا إياه وهو إياي، مع حفظ التمايز الكامل بين شخصي وشخصه، إذ ذاك يتجلّى الإنسان كإنسان جديد، كالإنسان الذي شاءه الربّ الإله أن يكون. لذلك كل منا، من ناحية، موصول بالله، آباً وابناً وروحاً قدساً، يستمدد منه النعمة والمثال. يقيم في الله والله فيه – لذا صار ابن الله إنساناً حتى يكون لهذه "الفيئية" أن تتحقّق بين الله وبيننا – ويقيم أيضاً، بنعمة الله ومثاله، في قريبه وقريبه فيه.

        لذا كان لا بد من التوبة الكاملة، من الدوران الكامل حول الله وإلا لا يحقّق الإنسان إنسانيته. يبقى مشروع إنسان أو يصير إنساناً مشوّهاً.

        والتوبة الكاملة تستدعي الخروج الكامل من النفس، إفراغ الذات على مثال إفراغ ابن الله ذاته، كما في فيليبي (2: 7). هذا كيف يمكن أن يحدث؟ هذا يبقى كلاماً في الهواء، ولو جميلاً، حتى تتبلور آلية تحقيقه. الخروج الكامل من الذات يتحقّق بتواضع القلب، بالتواضع الكامل، بأن يحسب المرء نفسه تراباً ورماداً، لا شيء، بأن يدرك في قرارة نفسه أنّه عدم ولا يعرف شيئاً، بأن يسلك كذلك، بأن يقف أمام الله في القلب كالطفل ينتظر كلمة أبيه وإشارة أبيه وكل شيء من أبيه. كالطفل، لكي يدرك المرء في عمق نفسه أنّه جاهل، جاهلٌ بالكلّية. فقط حين يدرك جهله كطفل تنساب إليه حكمة الله. كلّما أفرغ نفسه من نفسه في حركة تلقائية كلّما تماهى ويسوع في إفراغه لذاته. وكلّما تماهى ويسوع في إفراغه لذاته كلّما توحّد وإياه كما الابن والآب. هذا يدخله في حركة الحبّ العميقة، يوجده كمخلوق على مثال الله، من محبّة الله ولأجل محبّة الله.

        ولكنْ يُسأل كيف يبلغ المرء هذا المستوى من الاتضاع، من إفراغ الذات، من التمثّل بيسوع، من التوحّد بيسوع، بالثالوث من ناحية، وبقريبه من ناحية أخرى؟ بالطاعة! أجل بالطاعة! بالرغبة العميقة في أن يعمل مشيئة الله، في أن يتمثّل القول البولسي: "لست أنا بعد أحيا بل المسيح يحيا فيّ". الطاعة هي أن يتخلّى المرء بالكامل عن طريقته، عن رأيه، عن كل ما يحسبه له، في نظرة إلى نفسه كجاهل، في نظرة إلى كل ما يخصّه كأنّه لا شيء ولا ينفع شيئاً. حين تستبدّ هذه النزعة بالقلب إلى طاعة حقيقية كاملة، إذ ذاك يصير الإنسان مهيّئاً حقاً للملكوت، لمشيئة الله، لروح الله، لنعمة الله، لسكنى الله فيه. إذ ذاك، بصورة تلقائية، يأتي الآب والابن والروح القدس، بطرق هو يعرفها وفي ساعة هو يحدّدها، ليقيم فينا. لا ليس همّاً كيف يتحقّق ذلك. الله يجد لنفسه طريقة. وطرقه غير طرق البشر وليست، بالضرورة، رهن طرق البشر. للبشر مساهمتهم في الكرازة والخلاص، ولكنْ "أبي إلى الآن يعمل وأنا أعمل". الروح القدس يكمّل الناقصين. فلا خوف أن يُنتسى أحد لأنّ القلب الخاشع المتواضع هذا لا يرذله الله.

        كلٌّ مدعوٌ إلى التواضع، لذا كلٌّ مدعوٌّ إلى الطاعة. الطاعة ليست عمل الرهبان وحدهم بل عمل المؤمنين كلّهم. يكفي أن تكون، كيانياً، مستعداً لأن تمّحي بالحبّ أمام الله، بنعمة الله طبعاً لا من دونها، لأن تشتاق إلى كلمة الله، إلى مشيئته، إلى إقامته فيك، حتى تجدك في وضع المطيع. هو، إذ ذاك، يكلّمك باللغة التي تفهم، في الوقت المناسب. كل شيء، ساعتئذ، يأتي في أوانه، يصير مدبَّراً لك. الذي خلق السموات والأرض وجعل كل شيء حسناً هو يكمّلك لتصير حسناً، لتصير كاملاً على مثال الكامل.

        إذا لم يبلغ الإنسان حدّ الإفراغ الكامل لنفسه بالمعنى المبيَّن أعلاه، وإذا لم يكن تائقاً في أعماقه إلى طاعة الله حتى الموت، موت الصليب، فإنّه يبقى خارجاً، يبقى موهوماً. الله من دون هذا الإفراغ وهذه النزعة إلى الطاعة يبقى، في وجدان الإنسان، غريباً. يتعاطاه الإنسان كوثن، كداعم لأهوائه وآرائه وأفكاره. لذا كانت التوبة عملاً نسكياً يومياً يموت فيه المرء عن نفسه، يقيم، عن إرادة، في صحراء داخلية لا يتهالك فيها على  تعزية لا بالجسد ولا بالفكر ولا بالنفس وصرختُه في كل حين: "علّمني أن أعمل رضاك لأنّك أنت هو إلهي". ويتابع: "روحك الصالح يهديني في أرض مستقيمة". الروح القدس، إذ ذاك، نعمة الله، حين تبلغ النفسُ مثل هذه الحالة، تتولّى رعاية الإنسان في دروب الخلاص. "الربّ يرعاني فلا شيء يعوزني. في مكان راحة هناك أسكنني. على ماء الراحة ربّاني. إنّي ولو سلكتُ في وسط ظلال الموت لست أخشى شرّاً لأنّكَ أنتَ معي. عصاك وعكازك هما يعزّياني". عصاك وعكازك لأنّكَ راعيّ.

        لم يعد الإنسان، ولا إنسان، متروكاً. ملائكة السموات نزلت وصعدت على ابن الإنسان لأنّها تولّت الإنسان، كل إنسان، لذا "يوصي ملائكته بك. فعلى أياديهم يحملونك لكي لا تصدم بحجر رجلك".

        فقط إذ ذاك "مبارَكاً تكون في المدينة ومبارَكاً تكون في الحقل ومبارَكة تكون ثمرة بطنك وثمرةُ أرضك... ومبارَكة تكون سلّتك. مبارَكاً تكون في دخولك ومبارَكاً في خروجك... يقيمك الربّ لنفسه شعباً مقدّساً كما حلف لك إذا حفظت وصايا الربّ إلهك وسلكت في طرقه..." (تثنية 28). يكون لك المبارَك مبارِكاً دنيا وآخرة!

 

الأرشمندريت توما (بيطار)

رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما

 

فهرس نقاط على الحروف