السنة
الثالثة -
العدد الرابع
والثلاثون –
الأحد 6 كانون
الأول 2008
الكنيسة
وتصريف
الأعمال!
هذا
ليس مقالاً
سياسياً بل
مقال كنسي.
حين تتحوّل
الهرطقة، في
جماعة
المؤمنين،
إلى مسألة كلام،
وحين يصبح
تطبيق
القوانين
الكنسيّة كيفياً،
إذ ذاك توجد
المؤسّسة
الكنسيّة في
مأزق ويمسي
السعي فيها
على شبه
الحكومة
المستقيلة.
تكتفي بتصريف
الأعمال، ولا
يكون لها قول ولا
قرار في أي
شأن أساسي، في
انتظار تولي
حكومة جديدة
الأمور. مؤشّر
السلامة في
الكنيسة استعدادها
الدائم
لِلَفْظ
الهرطقات
خارجاً دونما
تأخير. ونقصد
بالهرطقة ما
قصده القدّيس
مرقص أسقف
أفسس (+ 1444) عندما
قال "إنّ الهرطقة
هي الحيدان عن
الإيمان
القويم ولو
قليلاً". فمتى
انفقدت، في
الكنيسة،
الحساسية و"النتعة"
الداخلية
للتخلّص
منها، إذ ذاك
تمتلئ
الكنيسة
هرطقات ويموت
الإحساس
باستقامة الرأي.
كذلك متى
استهين
بالقوانين
الكنسيّة
وصار الكاهن
فوق القانون
في رعيّته
والأسقف فوق
القانون في
أبرشيته
والمجمع فوق
القانون في حدود
الكنيسة
المحلية، إذ
ذاك يعوجّ
سلوك الرعاة
والرعيّة
ويتحكّم
الهوى بمواقف
الرؤساء وتُصيب
سلوكَ عامة
المؤمنين
رخاوة السيرة.
هذا
هو المأزق
الذي يجد فيه
الكرسي
الأنطاكي نفسه
اليوم أو
يكاد. الهرطقة
في التعليم،
في الوعظ، في
المقالات، في
المناسبات،
في المواقف،
في العلاقات
الكنسيّة،
وليس ما
يضبطها ولا
مَن ينقّحها
ولا مَن يعالجها.
ثمّة حالة من
الصمت حيالها
وكأنّها آراء لا
ضرر منها. من
فوق إلى تحت
يعتبرون
الهرطقات لا
تستحق عناء
الفحص
والتدبير
والقطع. أحد
الرؤساء،
مرّة، قال لي
بوضوح وصراحة:
"اليوم لم تعد
هناك هرطقات!" الهرطقات
صارت أفكاراً
يُنظر إليها
من باب
الحداثة في
الموقف
ومقاربة شؤون
العصر بلغة
الانفتاح، في
حلّة الحوار
وعلوم الدنيا.
استقامة
الرأي باتت
أدنى إلى
الأصولية
المتحجّرة،
في الحسبان،
أكثر من أي
وقت مضى.
الهرطقة تمسي
أساساً من أسس
الوجدان
المعاصر حتى
بين العامة.
والهرطقة
تُفرع هرطقات.
مثلاً أكثر الناس
يعتقدون أنّه
لا فرق بين
المسيحيّة
واليهوديّة
والإسلام.
كلّهم
موحِّدون
وكلّهم مقبولون
عند الله.
والكثيرون
يذهبون إلى
أبعد من ذلك.
اسمعوا هذا
القول لأحد
أحبار
أنطاكية المحدثين،
وهو يعبِّر
عما تعتقده
شريحة كبيرة
من المسمَّين
مؤمنين: "جميع
الأديان ما هي
إلا مذاهب
وطرق تودّ
وتبغي الوصول
إلى تحقيق عيش
الناس في
أخلاق
اجتماعية تُرضي
هذا الإله.
وتعدّد هذه
الرؤى مهما
تنوّع يجب ألا
يصل إلى
التناقض كما
يحصل في حالات
خاطئة تفسد الدين
عينه وهي
الأصولية
الدينية". أين
كلام يسوع:
"ليس أحد يأتي
إلى الآب إلاّ
بي"(يو 14: 6)؟ وأين
كلام سفر أعمال
الرسل "ليس
بأحد غيره [أي بيسوع]
الخلاص. لأن
ليس اسم آخر
تحت السماء قد
أُعطي بين
الناس به
ينبغي أن
نخلص" (أع 4: 12)؟
كأنّ هذا
الكلام لم يعد
له، في غمرة
التلفيق
الحاصل، مكان.
في وجدان
الكثيرين،
يسوع يمسي
مخلّصاً لفئة
من الناس،
فيما لغير
فئات طرقٌ
أخرى للخلاص،
مشروعة أيضاً.
غريب! ألا
يقرأ المرء،
بين السطور،
ما ينادي به
الماسون في شأن
الديانة
العالمية
الواحدة؟!
والاسترخاء
في العقيدة
يقابله
استرخاء في القوانين
الكنسيّة على
كل صعيد. على
الصعيد الأخلاقي
– أتحدّث عن
جماعة
المؤمنين لا
عمن هم
خارجها! – على
صعيد
الممارسة
الليتورجية:
فلتان وضياع! على
صعيد مجالس
الرعايا! وليس
مَن يحرّك
ساكناً.
كأنّنا غير
معنيِّين بما
يجري! فلا
عَجَب إن أصاب
الخمول
الأذهان
وسادت
اللامبالاة.
لقد
اعتدنا على
اللاحس لدرجة
أنّه لم يعد
شيء يحرّكنا.
حتى بإزاء
أبرز
الهرطقات
وأقسى المخالفات
لم يعد هناك
مَن يقول: هذا
خطأ! هذا لا يرضي
الله! هذا
مخالف لروح
الإيمان! هذا
يضرب تراث
الكنيسة! صمت
القبور يسود!
ويأتيك،
بعد ذلك، مَن
يقول بـ
"لفلفة" هذه
الهرطقة أو
هذه المخالفة
لأنّ الناس مُحبَطون
ولا يجوز
إلقاءهم في
المزيد من
الضياع. هذا
يجعلنا نخسر
المزيد من
الناس إذا ما
دروا بحقيقة
ما يجري هنا
وثمّة.
تصوّروا!
الباطل، ليملك
علينا،
يتذرّع
بذرائع
رعائية؟! يا
للهول! تحتفّ
بنا الهرطقات
والمخالفات من
كل صوب
ونستعين بجهل
الناس لما
يجري حماية لهم
لئلا يقعوا في
إحباط أكبر!
هذا خبث
الخطيئة
بامتياز! هذا
خبث ضدّ
المسيح في هذا
الزمن الرديء!
بالمناسبة
هل سبق لكم أن
قرأتم نبوءة
القدّيس نيلس
الآثوسي
المفيض الطيب
(+ 1651 م)؟ اسمعوا
بعض ما يقوله:
"حين يقترب
وقت مجيء
المسيح الدجّال
سيصير عقل
الناس مظلماً
بسبب أهواء الخطيئة.
عدم الإيمان
وتعدّي
القانون
سيتضاعفان
جداً. وسيصير
العالم غير
ممكن تمييزه...
رعاة
المسيحيّين...
سيصابون
بالمجد
الباطل بالإضافة
إلى الهرطقة،
غير عالمين
يمينهم من يسارهم.
وسيغيِّرون
عادات
وتقاليد
المسيحيّين
والكنيسة...
وإذ تبلغ
الخطيئة
ذروتها يُحرَم
الناس من نعمة
الروح القدس
التي حصلوا
عليها في
المعمودية
المقدّسة
ويُحرَمون من
الضمير...
ستُحرَم
كنائس الله من
الرعاة
الأتقياء
والورعين، وإذ
ذاك ويل
للمسيحيّين
الباقين في
العالم...
لأنّهم لن
يروا نور
المعرفة في أي
كان...
وسيصادفون
حواجز ومصاعب
أينما
حلّوا...".
ويستهل
القدّيس
كلامه
بالإشارة إلى
الزمن الذي
سوف يأخذ ما
يقوله في
الحصول:
"حوالي السنة
1900، بدخولنا
منتصف القرن
الثامن". ماذا
يعني القول
"منتصف القرن
الثامن"؟
أظنّه يعني
منتصف العقد
الثامن، أي
السنة 1985. إذا
صحّ هذا الظن
نكون قد
بلغنا،
اليوم، عمق
مؤامرة خداع
ضدّ المسيح!
هذا
كلام أوهام
وخيالات؟
يمكن! ولكن،
صدقاً، أما
بات صعباً
تمييز وجه
الكنيسة
الأصيل في ما
يجري اليوم من
ممارسات على
كل صعيد! هذا
أتركه لضمير
القارئ لئلا
أفسح في
المجال في
الدخول في جدل
لا جدوى منه!
فقط انظروا!
أما ترون
راهناً قول
القدّيس ثيوفانيس
الحبيس: "رغم
بقاء اسم
المسيحي
مسموعاً في كل
مكان وأنّه
ستكون هناك
كنائس وخدم
كنسيّة فإنّ
هذا سيكون [في
الزمان
الأخير] في
الشكل فقط
فيما يكون
الارتداد في
المضمون هو
سيّد
الموقف"؟!
في
كل حال، آخر
العثرات
اليوم التي لم
يحرّك أحد
ساكناً
حيالها ما ورد
على لسان أحد
الأساقفة. في 14/ 9/ 2007 نشر
أحد المواقع
الإلكترونية
السورية"
كلاماً
للأسقف
المذكور
بعنوان "شهر رمضان
جوّاد
وصوّام" ما
لبثت أن
تناقلته مواقع
الكترونية
أخرى. وقد
حاول أحد
الكهنة
التخفيف من
وطأة ما قيل
في "رسالة
الرعيّة"، في
عدد الرابع من
شهر تشرين
الثاني 2007، تحت
عنوان "ديني
ودين الآخر"،
أقول حاول
التخفيف من
وطأة ما قيل
دون أن يكون
مقنعاً
بالقدر
الكافي. أما
ما تلفّظ به سيادة
الأسقف فلا
يمكنك، متى
قرأته كما
نُشر، إلاّ أن
تقول هذا
إعلان إيمان
بالإسلام ولو
كلامي. سؤالنا
هو: لقد مضت
أشهر على ظهور
الكلام
المقال وعلم
به الكثيرون،
أساقفة وكهنة
وعامة مؤمنين.
كثير قيل من
باب تناقل
الخبر، ولكن
لا أحد كتب
كلمة واحدة
ولا طالب لا
بتوضيح ولا
بتحقيق.
كأنّنا نتصور
أنّ مرور
الزمن كفيل
بطي ملف لم
يُفتح أصلاً.
انتظرنا ولا
زلنا ننتظر.
أليس من حقّنا
أن نعرف ماذا
جرى وماذا
يجري؟
إما
أن يصدر ما
يوضح الصورة
حتى نقول لا
زال الحقّ
حيّاً في
أنطاكية –
والحقّ وحده
يجمعنا
ويحرّرنا–
وإما أن كل
شيء في
أنطاكية بات
في حكم
المسيَّب. إذ ذاك
يكون موت
الضمير قد حصل
ولم نعد
كنيسة! إذ ذاك
نكون، كجماعة،
قد استقررنا،
لا سمح الله،
في جوف
التنّين!
الأرشمندريت
توما (بيطار)
رئيس
دير القدّيس
سلوان
الآثوسي – دوما