السنة الثالثة - العدد التاسع والعشرون – الأحد 2 كانون الأول 2007

 

قيامة المسيح في لبنان

        إما أن يكون لبنان صورة عن أورشليم السماوية أو لا قيمة له. تراب ورماد! لسنا في لبنان الجغرافيا والتاريخ لأنّ الأقدار شاءتنا فيه. نحن في مسكن من مساكن الله على الأرض. إذا ما كان كلمة الله قد تجسّد فعندنا أنّه تجسّد في لبنان أيضاً ويقيم. وفي لبنان فرّيسيون وناموسيون مراؤون ورؤساء كهنة متسلّطون. وفيه أيضاً أزلام هيرودوس ومَن يتزلّفون للرومان وينادون بخباثة: "ليس لنا ملك غير قيصر!" وهم يكذبون. في هذا البلد شوك وحسك كثير، ولا يُجتنى من الشوك عنب ولا من الحسك تين. العنب والتين من كروم الله نقتطفه. نحن في جنّة الله، في حديقة الفردوس، لا لأنّ الأرض هنا جنّة بل لأنّ ربّ الأرض مقيم فيها. كل شيء، رغم اليباس، مخضوضر لأنّنا آمنا بيسوع. عصا هارون الميتة هنا تفرع لوزاً. فلا بأس إن تعالت أصوات المنادين علينا كذباً: "اصلبه، اصلبه، دمه علينا وعلى أولادنا!" هؤلاء ليس لهم شيء آخر يفعلونه. صناعتهم زرع الموت. أما نحن الذين خرجنا من جنب السيّد، دماً وماء وحياة جديدة، فنعرف ونردّد قوله ونثبت على الرجاء أن "رأيتُ الشرّير معتزّاً متشامخاً مثل أرز لبنان ثمّ اجتزت فلم يكن ولم يوجد له مكان". نحن باقون في هذه الجنّة، هنا، لأنّ السيّد اتّخذها فصارت على اسمه، أما أنتم، نسل الساسة الصدّوقيّين، عملاء الرومان، فمرتحلون اليوم أو غداً، ولن يوجد لكم اسم من بعد لأنّكم لا تشاؤون أن تقرأوا حضور الله ومسيحه في هذا البلد. أحبّكم للحياة وتصرّون على الموت. شاءكم شهوداً للفرح وتملأون الأرض خباثة وزعيقاً. هذه وسائل إعلامكم الموبوءة التي تشاؤون بها أن تفسدوا القلوب والعقول وتملأوها قيحاً وقلقاً وحزناً!

        يقولون في لبنان أزمة سياسة. لا بل في لبنان أزمة تآمر على الله ومسيحه في البسطاء والفقراء، في الصغار والشباب والشيوخ. تقتلون الناس وأحلام الناس وفرح الناس باسم الناس. جعلتم لأنفسكم قضية وقضايا ليست لا من أكباد العباد ولا من همومهم. جعلتم جسد هذا البلد مرضّضاً كله ولا تشاؤون أن يمدّ أحدكم يده لتعاونوا. أنتم داخل عالمكم المريض في نزاع حتى الموت والناس في الخارج في صراع حتى الحياة. ليس هذا البلد بباق لأنّكم أنتم تسوسونه بل لأنّ الناس يتوسّمون الخير في مَن يسوس العباد أبد الدهر مشرقاً شمسه على الأشرار والصالحين وممطراً على الأبرار والظالمين. مَن يسمع لكم بعد اليوم يكون مثلكم موبوءاً. الناس مجّتكم ومجّت عقمكم. دائماً حَبَلكم كاذب ولا تخرج من بطونكم إلاّ الحيّات!

        رغم كل شيء، مهما فعلتم، مهما تآمرتم على حياة الناس وفرحهم في هذا الوطن الصغير لن تنالوا من حبّ الناس لله، للحياة ههنا. سنبقى في الفرح والرجاء لأنّ هذين زرعهما فينا فادي العالمين. لم تشاؤوا أن تختاروا رئيساً للجمهورية في هذا البلد؟ لا بأس! نحن مستمرّون بكم ومن دونكم، باختياركم ومن دون اختياركم. نحن لنا رئيس لا يستطيع أحد مهما سعى أن يحرمنا إيّاه. هو يدبّر أمورنا. رجاؤنا عليه، والرجاء بالله لا يخزي!

        تقطعوننا من الفرح والحياة نقطعكم من قاموسنا. لا تزرعون كل يوم غير الموت. نحن اخترنا الحياة ونترك الموت لكم. سنخرج وندخل ونفرح ونمرح. لن ننتظر بعد أن تمنّوا علينا بالسلام والفرح لأنّه لا سلام ولا فرح في أكبادكم. نحن مستمرّون من دونكم وكأنّكم غير موجودين. مهما فعلتم لن تميتوا الرجاء الذي فينا. لن تتمكّنوا من قتل عصب الحياة في نفوسنا. حتى لو هدمتم الهيكل على رؤوسنا لن تنالوا من تمسّكنا بالحياة والفرح. مهما فجّرتم أحقادكم وحاولتم أن تستعملونا وقوداً لألاعيبكم سيبقى شهود كثيرون للحقّ والقيامة بيننا. الحياة أقوى من موتكم والقيامة أقوى من صليبكم لا بل تنبثق من الصليب الذي تجعلونه على عواتقنا. صَغَاركم لكم، أما لبنان فأرحب من الأرض قاطبة. كلّنا رجاء، كلّنا ثقة أن زئيركم آيل إلى سكون الموت فيما قافلة الحياة بنا مستمرة من دونكم.

        إذا كنتم لا تشاؤون أن تعرفوا أنّ في لبنان أبناء للقيامة فاعرفوا أنّنا من قَهْرِكم لنا سوف ننبعث من جديد. هذا البلد لن نغادره. هو يغادرنا ولا نغادره. هنا مزرع الله ومسيحه لنا. هو رسم علينا علامة القيامة. لذا نكرز بها ونقيم عليها حتى قيام الساعة. لا ليس لبنان وطناً للمسيحيّين وحدهم، هم فيه وغيرهم فيه أيضاً. لبنان وطن المسيح. فيه نختبر صليبه وقيامته ومحبّته للعالمين وله نشهد. لذا كل ما في لبنان يحدّث عن المسيح الناهض من بين الأموات إن كنتم لا تعلمون. نحن التزمنا السيّد رئيساً فإما تسيرون في ركبه أو تبحثون لأنفسكم عن رئيس للموت. خيارنا القيامة! فابقوا في الهاوية إن كنتم ترغبون إلى أن يُطرَح الموت والهاوية في بحيرة النار (رؤ 20: 14)!

 

الأرشمندريت توما (بيطار)

رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما

 

فهرس نقاط على الحروف