السنة
الثالثة -
العدد الثامن
والعشرون –
الأحد 25 تشرين
الثاني 2007
الكنيسة
وحرق الأجساد
لو
راجعنا الشرع
الكنسي لما
وجدنا كلمة
واحدة في شأن
حرق الأجساد.
هناك بعض
المواقف
الكنسية
الصريحة
لكنّها من زمن
قريب. ومع ذلك
لم يتعاط
المسيحيّون
حرق الأجساد،
حتى منذ القرن
الأول
للميلاد. موقف
الكنيسة
الأرثوذكسية
لم يتغيّر إلى
اليوم:
الراقدون
يُستودَعون
التراب ولا
يُحرقون. رسوخ
هذه العادة
وعدم حاجة الكنيسة
إلى دعم
موقفها، عبر
القرون، جعل
الأمر عادياً
ولمّا يدفعْها
إلى إصدار
قوانين خاصة
في هذا الشأن.
هذا والعادات
الراسخة في
الكنيسة لها
قوّة القانون
كما أبان ذلك،
مثلاً،
القدّيس
باسيليوس
الكبير في
قانونه السابع
والثمانين،
وكما ورد في
العديد من
المجامع المسكونية
كمثل القانون
السابع من
المجمع المسكوني
السابع الذي
يقطع كل مَن
يتجاوز القوانين
غير المكتوبة
في الكنيسة
مما انحفظ في العادات
القديمة.
هذا
ويشار، وفق
الدارسين من علماء
الآثار، إلى
أنّ الشعب
العبري، منذ
خروج أبينا
إبراهيم إلى
أرض كنعان، في
حدود العام
الألفين قبل
الميلاد، لم
يعرف حرق
الأجساد بل
كان يتعاطى
الدفن في
التراب. ولا
المصريون ولا
الفينيقيون
عرفوه. إلاّ
أنّه كان في
التعاطي لدى
الشعوب
البدائية
ولدى
الكنعانيين قبل
العام ألفين
وخمسمائة قبل
الميلاد. لدى
الإغريق
والرومان
تفاوتت
الممارسات،
وفقاً للمعتقدات
الدينية.
الذين آمنوا باستمرار
الحياة بعد
الموت كانوا
يدفنون موتاهم،
فيما الذين
آمنوا
بالحياة الظلّية
بعد الموت
اعتمدوا حرق
الأجساد. عند
الرومان كانت
العادة
معروفة هنا
وثمّة. ويبدو
أنّها أخذت
تشيع في زمن
الجمهورية.
أول مَن أمر
بأن يُحرق
جسده كان
"سولا" وتبعه
العديد من
الأباطرة حتى
أضحت العادة
مألوفة. في
حوالي مطلع
القرن الخامس
الميلادي اختفت
عادة حرق
الأجساد في
العالم
الروماني، لكنّها
استمرّت عدّة
قرون، بعد
ذلك، في أوروبا
الشمالية،
وبقيت في
البلاد
الإسكندنافية،
إلى القرن
الثالث عشر.
بالنسبة
للزمن
الراهن،
استعادةُ
ممارسة حرق
الأجساد
كانت، بدءاً،
في إيطاليا
وفرنسا والبلاد
الإسكندنافية
منذ النصف
الثاني من القرن
التاسع عشر.
الأسباب
تفاوتت.
تحدّثوا مثلاً
عن أسباب
علمية صحيّة.
قالوا الجثث
في الأرض
تُفسد
التربة، وقالوا
تؤثّر في مياه
الشرب وتفسد
الهواء
وتؤثّر في صحّة
السكان
المقيمين
قريباً من
المدافن. كل هذه
الأسباب لم
تكن مبرّرة
بالقدر
الكافي. وثمّة
مَن طالب
بالاستعاضة
عن الدفن بحرق
الأجساد من
قبيل تحدّي
الكنيسة في
عقائدها ومؤسّساتها.
هذا شاع بخاصة
في الأوساط
المعادية لها
هنا وهناك، لا
سيما في
أوروبا، وفي
أعقاب الثورة الفرنسية.
الماسون، في
مواضع
مختلفة،
كانوا وراء
إشاعة عادة
حرق الأجساد،
قيل بقصد إخفاء
معالم الموت
لكون ذلك
يتماشى
ونظرتهم الحلولية
إلى الأرض
وقيل للطعن
بالكنيسة ونظرتها.
في صربيا
مثلاً اندلع
جدل سنة 1929 بين
الماسون والكنيسة
في هذا الشأن.
الكثلكة
بقيت متمسّكة
بالموقف
الرافض لحرق الأجساد
والتزمت عادة
الدفن إلى أن
طرأ تغيير على
موقفها
ابتداء من
العام 1963. طبعاً
لا زالت الكنيسة
اللاتينية
تفضّل عادة
الدفن لكنّها
صارت تقبل
بحرق الأجساد.
البروتستانت
سلّموا بالأمر
الواقع منذ
مطلع القرن
العشرين.
الأرثوذكس
ثابتون في
موقفهم ولو لم
يكن هناك
تنسيق فيما
بينهم. أولاً
تمسّكهم
بالعادات
الكنسيّة
الراسخة في
القدم جزء
أساسي من
تكوينهم
الوجداني.
التراث،
عندهم،
حمّالة
للإعلان
الإلهي ونعمة
الله. في شأن الجسد،
فهمُهم له
يمنعهم من
قبول عادة
حرقه
والتخلّص منه.
الجسد، جسد كل
مؤمن، ينتمي
إلى جسد
المسيح. بإزاء
الجسد البشري
الذي اعتمد باسم
الآب والابن
والروح
القدس، والذي ساهم
القدسات
وسكنت فيه
النعمة
الإلهية، نحن
بإزاء إيقونة
للسرّ
الإلهي، أي
لعمل الله الفائق
على العقل في
الإنسان. جسد
المؤمن، حيّاً
كان أو ميتاً،
دخل في واقعية
جديدة تخطّت
الواقع البشري
البحت إلى
واقع إلهي إنساني
بسبب تجسّد
الكلمة
الإلهي. الميت
عندنا راقد
وليس خلواً من
نعمة الله لأنّه
لفظ أنفاسه.
ليس هو جسداً
مادياً برسم
الانحلال بل
هو إناء لروح
الربّ، بذارٌ
للقيامة،
مطرح لتجلّي
النعمة
الإلهية. لذا
الجسد،
بمعنى، قربان.
لا نعرف، تماماً،
تفاصيل
علاقته بالله
كيف تستمر ولا
كيف تستمرّ
علاقته
بصاحبه. بعض
أجساد
القدّيسين
يفيض طيباً
وبعضه تجري به
عجائب وبعضه
يبقى بلا انحلال.
كل هذا يجعلنا،
ككنيسة، نقف،
برهبة، أمام
إيقونة يسوع
في المؤمن
الراقد.
نتعاطى جسده
بتوقير كما
نوقّر
القدسات. المؤمنون،
قديماً،
كانوا
يستميتون
ليحظوا
بأجساد القدّيسين
ويدفنوها
بإكرام جزيل.
هذا ليس لأن
نظرتهم إليها كانت
نظرة إلى
بقايا ترابية
فانية بل إلى
هيكل ارتضى
الربّ الإله
أن يقيم فيه، آباً
وابناً
وروحاً قدساً.
هذا الموقف من
جسد المؤمن
الراقد ليس،
بعد، شائعاً
في الغرب الكاثوليكي
أو
البروتستانتي
لأنّ الغلبة
هناك صارت
لإخلاء
الكنيسة،
بعامة، من سرّ
عمل الله في
المؤمنين
والاكتفاء
بالموقف
الفكري
النفسي
المادي من هذا
السرّ. هذا
جعل الكنيسة
في الغرب تقع
في دهرية
المسرى. وفي
الدهرية لا
فرق في الموقف
العميق من
الله
والخليقة بين
الدهرية
المؤمنة
والدهرية
الملحدة أو
اللاإدرية
لأنّ الإنسان،
في هذه الحال
وتلك، يعبد
نفسه ولا
يمتدّ إلى
الله، متى
امتدّ إليه،
إلاّ كمنظّم
وضامن لشؤون
البشر. البشر
هم الموضوع لا
الله. هذا إسّ
الدهرية. لذلك
السرّ الإلهي
في الغرب المسيحي
يموت، بعامة،
إلاّ في بؤر،
هنا وثمّة.
ولذلك،
أيضاً، نفهم،
بيسر، قبول
الغرب
المسيحي
والغرب المعادي
للمسيحية، في
آن، النظرة
الفكرية
النفسيّة
المادية إلى
الإنسان. حرق
الأجساد ما هو
كممارسة إلاّ
قطعة من
الموزاييك
الدهري
المعاصر،
الذي يمثِّل
العودة إلى
الوثنية هناك.
وما الوثنية
سوى عبادة
الإنسان
لنفسه
وأهوائه
وأفكاره.
أرثوذكسياً،
إذاً، موضوع
حرق الأجساد
يعنينا من
زاوية
تمسّكنا
بتجسّد كلمة
الله واستمرار
الكنيسة،
بأبنائها
كحقيقة إلهية
إنسانية،
كونها جسدَ
يسوع. رَفْضُنا
لممارسة حرق
الأجساد هو
رفض لترابية
النظرة إلى
جسد الإنسان
وتمسّك بكون
الإنسان قد
دخل، مرة وإلى
الأبد في
نورانية عمل
الله
الأسراري في
البشرية. هذا
يجعلنا، أحياءً
وأمواتاً، في
آن، في تفاعل
وروح الربّ نقف،
بإزائه، بخوف
ورعدة.
إذا
كان الربّ
يسوع قد أُودع
القبر كما هو
باللياقة
الكاملة
فخليق
بتلاميذه أن
يودَعوا القبر
هم أيضاً دونما
عبث بأجسادهم
حتى كما أتته
حاملات الطيب بطيبهن
تأتي الكنيسةُ
تلاميذَه
بطيب صلواتها
وإكرامها
لرفاتهم إلى
جيل بعد جيل.
الأرشمندريت
توما (بيطار)
رئيس
دير القدّيس
سلوان
الآثوسي –
دوما