السنة
الثالثة -
العدد السابع
والعشرون –
الأحد 18 تشرين
الثاني 2007
القدّيس
يوحنا الذهبي
الفم
مسيحاً
من المسيح!
في
الثالث عشر من
الشهر الجاري
كان عيد القدّيس
يوحنّا
الذهبي الفم.
هذا راع من
الراعي الصالح.
يطالعنا
إيقونة لا
تموت جيلاً
بعد جيل.
رعيّة
المسيح
واحدة،
وباقية
واحدة،
وراعيها واحد
ويبقى واحداً.
رعيّة المسيح
هي كنيسته، هي
جسده، أي هي
إيّاه مقيماً
فينا،
والراعي هو
الربّ يسوع.
لذا كان كل
راع، في كنيسة
المسيح،
صورةً للراعي
الواحد
وامتداداً.
والصورة
تبثّنا ما
تحمله ومَن
تشير إليه.
فلا غرو إن
كان همّ الرعاة
الرعاة،
أبداً، أن
يُفرغوا
أنفسهم من "أناهم"،
من ذواتهم، من
الإنسان
العتيق الذي
فيهم، من
هواهم،
ليتسنّى
للربّ يسوع أن
يقيم فيهم، أن
يتّحد بهم، أن
يجعلهم
واحداً لأنّه
هو واحد
وكنيسته
واحدة. ما لم
يكن الرعاة
على شفافية من
جهة يسوع
فإنّهم لا
يكونون رعاة
بل ذئاب
بذئبية
نزواتهم، ولا
يحفظون الرعيّة
بل
يشتِّتونها
ولا يُبالون.
صعوبة الرعاة الكبرى
أهواؤهم، أن
يكونوا
عبيداً
لأهوائهم بدل
أن يكونوا
رجالاً لله.
لذلك كان
عليهم أن
يُفرغوا
أنفسهم
أولاً، وإلاّ
ما استطاعوا أن
يرعوا رعيّة
المسيح.
الذهبي
الفم إنسان
عمل سنين
طويلة على
إفراغ نفسه
بالنسك،
بالتواري،
بالتسليم
الكامل لله.
هذا كان معهد
اللاهوت التي
انتمى إليه
ودرس فيه كتاب
الله الحيّ.
والله يختار
الضعفاء ليجعلهم
رعاة أقوياء
في كنيسته.
يوحنّا كان على
وَهَن في
الصحّة، لكنّه
كان مرهف
الإحساس من
جهة ما هو لله.
عندما
نسك في جبال
أنطاكية،
بعدما انطلق
في النسك من
بيته، كان
يتوخّى أن
يضبط نفسه
بالكامل، أن
يكون أميناً
لله في كل
وصاياه. وقد
أثبتت الأيام
أنّ يوحنّا
كان قد أفرغ
نفسه من نفسه
بالنسك الذي
جرى عليه كل
أيام حياته.
فلأنّه أفرغ
نفسه على هذا
النحو صار لا
يهاب أحداً
ولا يخشى
شيئاً في
الدنيا. مَن
أهلك نفسه من
أجل يسوع لا
يخاف، من بعد،
أن يخسر
شيئاً. حياته
تصير المسيحَ
والموتُ
ربحاً.
حَسْبُه أنّ
المسيح
الراعي
اتّخذه وأقام
فيه. كرامته،
كهيكل، صارت
من كرامة
الجالس فيه.
أخلاقه أيضاً
باتت من أخلاق
المقيم فيه.
لذا كان يوحنّا
مجرى ذهبياً
من الملكوت
العلوي،
يتكلّم في
اللاهوت كما
يتكلّم أهل
العالم في
الدنيويات.
كل
غيرة يوحنّا
تركّزت في
معلّمه. لذلك
المصاعب التي
واجهها دلّت
على أنّه لم
يكن قائماً في
ذاته بل في
ربّه. تكلّم
وعمل كما الله
يعمل وكما
الله يتكلّم.
لا شك أنّ
الربّ الإله
زرع فيه ضعفات
شتّى حتى
يتسمّر على
التواضع. كل
ضعف يرتضيه
الربّ الإله
لخدّامه إنما يكون
للبركة،
لحفظهم. على
هذا كان
يوحنّا ناراً
تتأجّج كما
كان، في ذاته،
أوهى من ريشة
في مهبّ
الريح. إن لم
تذق النفس طعم
الضعف البشري
فلن تذوق طعم
قوّة الله. إن
لم يتحسّس الإنسان
العدم في نفسه
فلا يمكنه أن
يتحسّس الوجود
الإلهي. لذا
كان يوحنّا
مسيحاً يعكس
وجه المسيح.
المسيح
هو الباب وقد
جعل يوحنّا
باباً. قيل، الراعي
الصالح يبذل
نفسه عن
الخراف،
ويوحنّا بذل
نفسه عن
الخراف. مات في
الغربة، في
أرض غريبة،
لأنّ غيرته
على الحقّ
الإلهي
اتّقدت إلى
حدّ أنّه كان
مستعداً لأن
يكابد كل شيء
ولا يخالف
المعلم في
شيء.
والراعي
الصالح يعرف
خرافه
جيِّداً. يعرف
خاصته وخاصته
تعرفه. كذا
كان يوحنّا.
كان المؤمنون
في قلبه وكان
هو في قلوب
المؤمنين.
لذلك كل
المحاولات
التي بذلها
الشيطان
لتحطيم يوحنّا
تحوّلت إلى
بركة. صار
يوحنا
متّحداً، بالأكثر،
بمعلّمه.
اتّحد بصليب
الربّ وحمله
إلى المنتهى.
صار صورة عن
السيّد الآتي
إلينا دائماً
مكلَّلاً
بالشوك. كل
راع، في
الحقيقة، يأتينا
مكلَّلاً
بالشوك. جسده
شوك. الناس
شوك. الشياطين
أشواك. لكن
الأشواك
تُضْفَر في
شكل إكليل.
هذا لأنّ
الملوكية عند
الله تأتينا
صليبية
دائماً. لا
تظهر محبّة
الله واضحة
جليّة إلاّ
إذا كان مَن
يحبّ الله
مستعداً لأن
يتسمّر على
الصليب، على
صليب جسده
وأوهانه
وأهوائه وعلى
صليب الناس.
لكن لا شيء
يفصلني عن
المسيح. فأنا
آتيه دائماً
بمثل ما أتاني
به. آتيه لا
هيئة لي ولا
جمال،
منبوذاً،
متروكاً،
وحيداً، لكني
آتيه وهو معي.
المهمّ
ألا ينزل
الراعي عن
الصليب، وإلى
المنتهى.
يُنزِلونه عن
الصليب متى
لفظ نَفَسه الأخير.
لا ينزل من
ذاته.
قِبْلَتُه
الموت من أجل
معلّمه. لذا،
منذ أن تروّض
يوحنّا في
النسك، في بيت
أمّه، ثمّ في
جبال
أنطاكية،
تروّض على
الموت من أجل
المعلّم.
واللحظة
الأخيرة هي
التي تكشف ما
إذا كان
موقفنا من
الله أصيلاً
أم لا. طالما تمتّع
الإنسان
بقواه وأنعام
الله، سَهُل
عليه أن يكون
أميناً لربّه.
أما الأمانة
الحقّ
فتستبين في
الصحراء، في
الليلة
الظلماء، حين
يُترَك
الراعي
وحيداً على
مثال يسوع في البستان
لمّا غطّ
تلاميذه في
نوم عميق
وتركوه يصارع
وحيداً، فجاء
ملاك من عند
الله يقوّيه.
في نهاية
المطاف،
كلٌُّ واجدٌ
نفسه في هذا العالم
وحيداً إذا ما
كان ليكون
لربّه. لكنّه
لن يكون
وحيداً لأنّ
الربّ الإله
يرسل إليه ملاكاً
من عنده. هذا
يشدّده
ويقوّيه في
أحلك الظروف،
في أصعبها.
فقط،
إذ ذاك، إذا
ما حفظ
الإنسان
الأمانة، يكون
قد تحوّل إلى
كلمة، إلى
كلمة الله.
الكلمات، في
الحقيقة،
كانت لنكون
نحن إيّاها،
لنكون نحن
كلمات حيّة.
نحن نأكل هذا
الكلام،
نمضغه،
نتمثّله
بأذهاننا ليصير
فينا حياة
جديدة.
"الكلام الذي
أُكلّمكم به
هو روح وحياة".
إن لم يصر
كلام الله
حياة فينا لا
نكون قد
اتّخذناه.
يوحنّا
صار، في نهاية
المطاف، كلمة.
بتنا، من ذلك
الزمان،
نلوكها ونجد
فيها طعم
السيّد كيفما
قلّبناها في
أفواهنا وفي
أفئدتنا.
يوحنّا صار
والمسيح واحداً.
كتاب الله
نلقاه فيه وفي
أمثاله. نقرأه
في اللحم
والدم. نقرأه
روحاً تنفخ
فينا روح الله.
لذا نلقاه
وجهاً من وجوه
السيّد يُطلّ
علينا
بالملكوت
حيّاً ويمدّه
لنا حياة
أبدية. يوحنّا
صار حيّاً
أكثر مما كان
حيّاً في
الجسد، لأنّه
التحم
بالحياة. صار
محدّثاً بكيانه
عن الحياة
الأبدية.
فالمجد لله
الذي أعطى
كنيسته نماذج
من مسيح الربّ
حتى لا يموت
أحبّة الربّ
يأساً وبرداً
في صقيع
العالم وعتمته!
الأرشمندريت
توما (بيطار)
رئيس
دير القدّيس
سلوان
الآثوسي –
دوما