السنة
الثالثة -
العدد الثالث
عشر – الأحد 5
آب 2007
ملاحظات
في شأن
الإجابات
الفاتيكانية
على أسئلة حول
العقيدة
الخاصة
بالكنيسة
بتاريخ
التاسع
والعشرين من
شهر حزيران من
السنة ألفين
وسبعة، صدرت
عن مكاتب لجنة
عقيدة
الإيمان في
الفاتيكان،
ببركة الحبر
الأعظم
بنديكتوس السادس
عشر، إجابات،
خمسة في
العدد، على
العقيدة
الخاصة
بالكنيسة
بعنوان:
"إجابات على بعض
الأسئلة التي
تطال سماتٍ من
الكنائسانية".
§
السؤال
الأول كان: هل
غيّر المجمع
الفاتيكاني الثاني
العقيدة
الكاثوليكية
في شأن الكنيسة؟
والجواب
كان واضحاً
صريحاً:
المجمع
الفاتيكاني
الثاني لا
غيَّر ولا كان
في نيّته أن
يغيِّر هذه
العقيدة.
بالأحرى
تبسّط فيها
وعمّقها وفسّرها
على نحو أكمل.
§
والسؤال
الثاني كان:
ما هو معنى
التأكيد أنّ كنيسة
المسيح
مستمرّة (subsists)
في الكنيسة
الكاثوليكية؟
والجواب
أكّد أنّ
المسيح أنشأ
كنيسة واحدة كانت
ولا زالت فيها
وستبقى "كلُّ
العناصر التي
أسّسها
المسيح نفسه".
هذه الكنيسة،
المُنشأة
والمنتظمة في
هذا العالم
كمجتمع،
مستمرة (subsists)
في الكنيسة
الكاثوليكية
المحكومة من
خليفة بطرس
والأساقفة
الذين في شركة
معه. على أنّ
"من الممكن،
وفق العقيدة
الكاثوليكية،
التأكيد
بصوابية أنّ
كنيسة المسيح
حاضرة وفاعلة
في الكنائس
والتجمّعات
الكنسيّة
التي ليست بعدُ
في شركة كاملة
مع الكنيسة
الكاثوليكية،
باعتبار
عناصر
التقديس
والحقيقة
التي فيها. غير
أنّ لفظة
"مستمرة subsists"
تمكن نسبتها
فقط إلى
الكنيسة
الكاثوليكية وحدها..."
§
والسؤال
الثالث كان:
لماذا جرى
اعتماد التعبير
"مستمرة في subsists in" بدل
اللفظة
الأبسط "هي"
[أي أنّ كنيسة
المسيح هي
الكنيسة
الكاثوليكية][1]
؟
والجواب
كان أنّ
استعمال هذا
التعبير الذي
يشير إلى
التماهي
الكامل
لكنيسة
المسيح مع الكنيسة
الكاثوليكية
لا يغيِّر
العقيدة الخاصة
بالكنيسة.
بالأحرى يأتي
ويُبرز بوضوح
أكبر الأمر أن
"ثمة عناصر عديدة
للتقديس
والحقيقة"
قائمة خارج
بنيتها [أي
بنية الكنيسة
الكاثوليكية][2]
، لكنّها
كمواهب
تنتمي، كما
يليق، إلى
كنيسة المسيح،
تحثّ [أو
تحرّض] على
الوحدة
الكاثوليكية".
يستتبع
هذا الأمر،
كما ورد في
النصّ، "أن
هذه الكنائس
والتجمّعات
المنشقّة،
ولو كنّا نؤمن
بأنّها تعاني
عيوباً،
فإنّها غير
محرومة من
المعنى ولا من
الأهمية في
سرّ الخلاص".
والواقع أنّ
روح المسيح لم
يكفّ عن
استعمالها
أدوات للخلاص،
وهي تستمدد
قيمتها من ذاك
الملء في النعمة
والحقيقة
اللتين
أُنيطتا
بالكنيسة
الكاثوليكية.
§
والسؤال
الرابع كان:
لماذا استعمل
المجمع
الفاتيكاني
الثاني لفظة
"كنيسة" للكنائس
الشرقية (oriental)
المنقطعة عن
الشركة
الكاملة مع
الكنيسة الكاثوليكية؟
والجواب
كان أنّ
المجمع أراد
أن يتبنّى
الاستعمال
التراثي لهذه
اللفظة. "لأنّ
هذه الكنائس،
ولو كانت
منشقّة (separated)،
فإنّ فيها
أسراراً
حقيقية، لا
سيما – بسبب
التسلسل
الرسولي –
فيما يختصّ بالكهنوت
والأفخارستيا
اللذين بهما
تبقى [هذه
الكنائس]
مرتبطة بنا
برباطات
حميمة جداً، الأمر
الذي يجعل
[هذه الكنائس]
مستحقّة للقب
"الكنائس
الخاصة أو
المحلّية"،
وأن تُدعى الكنائس
الشقيقة
للكنائس
الكاثوليكية
الخاصة (particular).
ولكن
بما أنّ
الشركة مع
الكنيسة
الكاثوليكية،
التي رأسها
المنظور هو
أسقف رومية
وخليفة بطرس،
بما أنّ هذه
الشركة ليست
متمِّمة خارجياً
للكنائس
الخاصة بل،
بالأحرى،
إحدى مبادئها
البنيوية
الداخلية،
فإنّ هذه
الجماعات المسيحية
الموقّرة
تفتقر إلى أمر
ما في وضعها
ككنائس خاصة.
من
جهة أخرى،
وبسبب
الانقسام بين
المسيحيّين،
فإنّ ملء
الجامعية (universality)، الذي هو
خاصية
الكنيسة
المحكومة من
خليفة بطرس
والأساقفة،
الذين هم في
شركة معه،
فإنّ ملء
الجامعية هذا
ليس محقّقاً
تماماً في
التاريخ.
§
والسؤال
الخامس كان:
لِمَ لا
تَستعمل
نصوصُ المجمع
عنوان
"الكنيسة" لتلك
الجماعات
المسيحية
التي نشأت من
إصلاح القرن
السادس عشر؟
والجواب
كان أنّ هذه
الجماعات،
وفق العقيدة الكاثوليكية،
لا تتمتّع
بالتسلسل
الرسولي في
سرّ الكهنوت،
وهي، تالياً،
محرومة من عنصر
مكوِّن من
عناصر
الكنيسة. هذه الجماعات
الكنسيّة
التي، لغياب
الكهنوت الأسراري،
بخاصة، لم
تحافظ على
الجوهر
الأصيل المتكامل
للسرّ
الأفخارستي،
لا يمكنها، وفق
العقيدة
الكاثوليكية،
أن تُدعى
"كنائس" بالمعنى
الخاص للكلمة.
ملاحظاتنا
1.
لا
جديد في ما
ورد لمَن يعرف
نمط الفكر
العقدي
التاريخي في
الكنيسة
الكاثوليكية.
الكنيسة
الكاثوليكية
لا يمكنها، في
أساس المنطق
الكنسي، إلاّ
أن تكون كما
تعبِّر عن
نفسها في هذه
الإجابات
أعلاه. الجديد
أن إيراد هذه
الملاحظات
يأتي ليضع النقاط
على الحروف في
شأن
التيّارات
الفكرية التي
ظُنّ، منذ
المجمع
الفاتيكاني
الثاني (1963 – 1965)،
أنّها آخذة في
تغيير
التوجّه
التراثي للكنيسة
الكاثوليكية.
الطروحات
الجديدة
والحركات
الليبرالية
التي توحي
بإمكان توفّر
نظرة حديثة
إلى
العلاقات، في
العمق، مع
الكنائس أو
التجمّعات
الكنسيّة غير
الكاثوليكية،
إن هي سوى
تمنيات لا
تغيِّر شيئاً
في المنظور الكاثوليكي
التقليدي.
أهمية هذه
الإجابات، في
شأن بعض
الطروحات
الكنائسانية،
الآن، أنّها
تطيح الأوهام
والتخيّلات
التي انبنت
على مدى أربع
عقود من الزمن
أنّ عهداً
جديداً انفتح
في شأن نظرة
الكثلكة إلى
نفسها
وعلاقتها بغيرها.
لا جديد تحت
الشمس.
الكثلكة
باقية حيث كانت
منذ مئات
السنين. هذا،
لعمري، أمر
طبيعي لأنّ أي
تغيير في نظرة
الكثلكة، في
العمق، إلى نفسها،
كوجدان
تاريخي،
معناه أن تقبل
أن تتقوّض.
وهذا مستحيل.
إذاً قيمة ما
يقال اليوم،
في الشأن
الكنائساني،
أنّه يعود
فيرسم، لفاقدي
الذاكرة
التاريخية،
الحدود
التقليدية التي
لن تخرج عنها
الكثلكة
والتي علينا
أن نأخذها،
أبداً، في
الاعتبار في
أي علاقة
واقعية معها.
2.
كنيسة
المسيح
الواحدة
مستمرة، في
كامل عناصرها،
في الكنيسة
الكاثوليكية
وحدها كما يقولون.
غير أنّ ثمة
عناصر عدّة
خاصة، في
نظرهم، بالتقديس
والحقيقة
قائمة خارج
بنيتها. هذه
تنتمي،
عندهم، إلى
الكنيسة
الكاثوليكية،
وإن وُجدت
خارجها،
وتحثّ
الكنائس أو
التجمّعات
الكنسية
الأخرى على
التماس
الوحدة الكاثوليكية
ابتغاء الملء
في النعمة
والحقيقة اللتين
"أُنيطتا
بالكنيسة
الكاثوليكية
وحدها"، على
حدّ تعبير
كاتب النصّ.
حتى ذلك الحين
يبقى ملء الجامعية
(universality) غير
محقَّق
تماماً في
التاريخ، كما
يقولون، دون
أن ينتقص ذلك
من كون كنيسة
المسيح
الواحدة
مستمرة،
كواحدة، في
الكنيسة
الكاثوليكية. وحتى
ذلك الحين،
أيضاً، تبقى
الكنائس
الشرقية، غير
الكاثوليكية،
في نظرهم،
منشقّة ومعيوبة.
على أنّ هذه
يُعرّف عنها
بكونها
"كنائس"
لأسراريتها
وتسلسلها
الرسولي،
وتوصف بـ
"الكنائس
الخاصة أو المحلّية"
أو "الشقيقة".
أما الجماعات
المسيحية
الناشئة عن
الحركة
الإصلاحية في
الغرب (القرن
السادس عشر)
فلا تُدعى
"كنائس"
بالمرّة لأنّه
لا أسرارية
فيها ولا
تسلسل رسولي.
تكمن
أهمية هذه
الإيضاحات في
أنّها تضع
الحدود التي
تتحرّك ضمنها
الكنيسة
الكاثوليكية
في كل حوار مسكوني
تقيمه مع
الكنائس
والجماعات
المسيحية غير
الكاثوليكية.
كما تبيِّن
لهذه الكنائس والتجمّعات
الغايات
والمقاصد
التي ينبغي أن
تكون واضحة في
أذهان
ممثّليها
ابتغاء حوار واقعي
لا حوار وهمي.
للكثلكة في
الحوار
المسكوني غرض
واحد: إعادة
الآخرين إلى
حضن الكثلكة!
مهما حاول بعض
اللجان أو
ممثلي
الكنيسة
الكاثوليكية
في كل حوار أن
يتغاضى عن هذا
القصد الأخير
من الحوار
فإنّه يبقى
متضمَّناً في
كل طرح أو
توجّه. نقول
ذلك لكي لا
يتوهّم أحد من
الكنائس أو
التجمّعات
غير
الكاثوليكية
أنّه يمكن أن
يعامَل من
قِبل الكنيسة
الكاثوليكية
على قدم
المساواة
معها، كأنّه
مساوٍ لها. أنت
غير
كاثوليكي؟
إذاً تعامَل
باعتبارك
معيوباً
ومنشقّاً
وناقص الملء
وهدفاً
لعملية تحفيز،
قد تذهب، وفق
الظروف، إلى
حدّ التدجين، كما
حصل في مجمع
فلورنسا
فرّارا (1438 – 1439)،
ابتغاء عودتك إلى
الصيرة التي
هي الكنيسة
الكاثوليكية.
هذا
لا يمنع أن
يكون هناك في
الكنيسة
الكاثوليكية
مَن عنده،
اليوم،
طروحات جديدة
لا تتماشى
والطرح
الكاثوليكي
الرسمي. في
الكثلكة مستنيرون
عديدون في
الشأن
المسكوني وأفكار
جذّابة عديدة
تُعرَض في
المجالس
الضيِّقة.
وأحياناً
يطالعك، من
الكنيسة
الكاثوليكية،
مَن هو منسجم
تماماً
وتطلّعاتك إن
كنت غير
كاثوليكي.
هؤلاء يعطونك
الانطباع
أنّك، بإزائهم،
على قاب قوسين
وأدنى من
الوحدة الكنسية
المرتجاة.
لكنْ، من
حقّك، لا بل
من واجبك، أن تنظر
في مآل ما
يسعى أمثال
هؤلاء إليه
لديك. على مدى
سنين، لم يسبق
لليبراليّين
والمنفتحين
والمستنيرين
الكاثوليك أن
غيَّروا حرفاً
واحداً من
الجسم العقدي
التراثي
الكاثوليكي.
الموضوع،
إذاً، يبقى لا
الماء الذي
تلقي به في
هذه القناة أو
تلك بل
مصبّها.
الايضاحات الكنائسانية
المبرزة
أعلاه تحدّد
المصبّ بوضوح
حتى لا يقع
أحدٌ ضحية
أوهامه وحتى
لا يحمّل أحد
الفكر العقدي
الكاثوليكي
ما ليس منه.
3.
الموضوع
على صعيد
العلاقات
المسكونية
محسوم،
كاثوليكياً،
إذاً، من وجهة
نظر كنائسانية.
الباقي شغل
سياسة. ثمّة
العديدون
يرومون أن
يستقووا
بالكثلكة. هذا
يجذبهم. لذا
دأبُهم،
غالباً،
تحويل الحوار
العقدي إلى
علم كلام،
فيما قصدهم
العميق تحقيق
تكاملات
سياسية
واجتماعية
واقتصادية
على صعد محلية
أو دولية.
بكلام آخر، ما
يُسعى إليه هو
تحقيق وحدة
ذات طابع دهري
في خطّ
التجاذبات
السياسية
الأقليمية أو
العالمية.
أهمية النقاط
الخمس
الموردة
أعلاه أنّها
تُخرج
الموضوع من
حيِّزه
الدهري وتعيده
إلى حيّزه
الكنسي.
الفاتيكان،
في وجهه الراهن،
لا ينشغل
كثيراً
بالسياسة
العالمية في تعاطيه
الحوارات
المسكونية
والدينية.
ميزة الفاتيكان،
اليوم، أنّه
منشغل،
بالأحرى، باللاهوت.
لذلك بديهي أن
يكون أكثر
المنزعجين من
منحاه الجديد
لا
الكنائسانيون
الشرقيون بل
غلاة المسكونية
الذين
يروِّجون
للاهوت
النسبية، أنّ
الجميع على
حقّ، كلٌّ على
طريقته،
وكلّهم
سواسية
والخلافات،
في عمقها،
لفظية وقابلة
للتذليل.
هؤلاء عملوا،
سنين، على
تعطيل الفكر
اللاهوتي
التراثي في
الكنيسة،
وأقاموا شبكة
من الطروحات
الدينية
التلفيقية
ذات الامتدادات
السياسية
والاجتماعية
والاقتصادية
والبيئية.
ما
خرج به
الفاتيكان،
اليوم، مفيد.
لا يأتي بجديد
كنائسانياً.
لكنّه يضع
العلاقات
الكنسيّة في
الحيّز
المناسب. أين
يمكن أن
نتوجّه من
ههنا؟ سؤال
مطروح. أهميته
ليست في أنّ
الكثلكة تعود
إلى أصولها
وحسب بل في
أنّها تحثّنا
على أن نعود
نحن أيضاً،
بأمانة
وشفافية، إلى
الأصول التي
خرجنا منها،
إلى آبائنا
القدّيسين.
ليس لائقاً،
بعدُ، كما
اعتاد بعضنا،
أن نصفِّق
ونتحمَّس لكل
صاحب طرح
مسكوني جديد
في عالم دهري
سريع التغيّر.
اللائق أن
نعود إلى جذورنا
لنستمدد منها
إجابات على ما
يواجهنا. جيِّد
أنّ الكثلكة
تعود إلى
وجدانها
الروحي العقدي
التراثي.
رجاؤنا أن
نعود نحن
أيضاً إلى
منابع
وجداننا.
البداية
هناك، في
التراث السحيق،
وليست هنا في
التقلبات
العابرة
والحسابات
الضيِّقة
والسياسات
الصغيرة. يوم
نعود إلى
وجدان آبائنا
يصير
بإمكاننا أن
ندخل في حوار أصيل
نيِّر
مُجْدٍ مع
أيّ كان!
الأرشمندريت
توما (بيطار)
رئيس
دير القدّيس
سلوان
الآثوسي –
دوما