السنة الثالثة - العدد الحادي عشر – الأحد 29 تموز 2007

 

ويصير كل شيء جديداً !

 

 

        إذا لم تكن مستعداً لأن تموت فالحبّ لا يأتي. أن يموت فيك تعلّقك بذاتك. تمسّكك براحتك، بفكرك، بما يخصّك. هذا نسمِّيه موتاً عن النفس. إن لم تسعَ، إذاً، لأن تموت عن نفسك لا يمكنك أن تتعاطى المحبوبية. في كل حين ما تبذله ينتج محبّة. وما تبذله تبذله من تعبك، من تضحيتك. تنسى نفسك وما لك. تتخطّى ذاتك. إن لم تبلغ هذا المستوى من العلاقة بالآخرين فأنت لا تعرف المحبّة. لا زلت في طور المتاجرة. في طور المساومة. تعطي لتأخذ ولا تعطي إن لم يكن قصدك أن تحصّل. المحبّة لا تطلب ما لذاتها. فقط تعطي. لا تسأل بدلاً ولا تتوقّع بدلاً ولا تعتبر نفسها مستحقّة لبدل. الحبّ تغريد عصافير. شجرة تثمر لأنّ الإثمار شيمتها. الحبّ شيمة النفس. إن كان للحبّ من التماس خارج ذاته فأن يسبّح الله. هكذا يتنفّس الإنسان إلهياً، أن يحبّ. هكذا يأخذ لا كما نألف الأخذ. يأخذ عطاءً. يأخذ غبطة لا تدانيها غبطة. مغبوط العطاء أكثر من الأخذ. هذا ما عبّر عنه الرسول بولس بقوله: "إنّي بافتخاركم الذي لي في يسوع المسيح ربّنا أموت كل يوم" (1 كو 15: 31). لستُ بحاجة لأن أكون عرضة لاضطهاد خارجي. هذا قد يأتي. ومتى حصل يكون من بركات الله لمختاريه لأنّه قيل إن "جميع الذين يريدون أن يعيشوا بالتقوى في المسيح يسوع يُضطهَدون" (2 تي 3: 12). لكنّي أُضطَهَد دائماً من نفسي. نفسي تضطهدني. عشقي لنفسي، لراحتي، لفكري يضطهدني. التصاقي بذاتي. كلّما خطر ببالي أن أمتدّ خارج ذاتي أجد قوّة فيّ، في نفسي، في جسدي، في فكري، في روحي، تجعلني أطلب ما لنفسي. بصورة مباشرة وبصورة غير مباشرة. نفسي تأبى أن تموت عن ذاتها. لا مانع لديها إن مات الناس كلّهم، أما هي فلا تشاء أن تموت. لذلك تبقى نفسي وحدها أو هكذا تكون في قرارها. إن لم تقع حبّة الحنطة في الأرض وتمت تبقَ وحدها. لذا تلقاني إنْ رغبتُ في أن أحببَ أنّ عليّ أن أنسلخ عن نفسي. هذا ليس موجعاً وحسب. هذا موت. ولكن إن لم أمتْ أبقَ وحدي. في عزلتي. الحبّ تمثُّل لا تمثيل. أتمثَّل البذل، التضحية، الموت لآخذ حياة جديدة. لا تمثيل لحال تكون فيّ في مستوى الوهم والخيال. المحبّة دم. أعط دماً وخذْ روحاً. إنْ لم يكن الحبّ في مستوى الموت عن النفس في كل حال وفي كل حين فإنّه يستحيل كذبة. الدم المهراق في الحبّ هو الحدّ الفاصل، هو المعيار. المشاعر لا قيمة لها. والعواطف ساقطة. أَنصاف العطاء لا تنفع. أن تعطي شيئاً لا يجدي. طالما عطاؤك غير كامل فقصدك غير نقي. لا زلت تطلب ما لنفسك. إذاً لم تحبب بعد. لم تزل في احتيال النفس. ربما أمكنك أن تكذب على الناس، أن ترائي، لكنّك لا تقدر أن تكذب على الحقّ. لا تكون في الحقّ. وإن لم تكن في الحقّ لا يتنزّل عليك الحبّ الإلهي. الحبّ الذي من فوق لا يقبل الزغل ولا يُعطاك إن لم تكن في القلب، في النيّة، في القصد، بلّورياً في سعيك، شفّافاً، بلا شائبة.

        إذاً أن تخرج من نفسك، أن تموت عن نفسك يبقى المرام. هذا سرّ الأسرار بين الناس. سرّ الموت المحيي. سرّ الصليب القيامي. سرّ العدم البشري المشبع بالحضرة الإلهية. في يديك أستودع روحي. بالكامل. بالكليّة. من دون تحفّظ. من دون شرط. في الصمت الكامل، في صمت موت الإنسان عن نفسه ينبعث الصوت الإلهي. "هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت". من العدم خرج الإنسان كلمةً من فوق ومن موت الإنسان عن نفسه، من عدم الإنسان عن ذاته يخرج الكلمةُ المتجسّد. يتحرّك روح الله في العظام الرميمة. يكون الحبّ. يصير الحبّ جسداً، خليقة جديدة.

        قبل أن كان صليبُ المسيح كان صليبُ المحبّة. المحبّة تتأنّى وترفق. لم يثقّل الربّ الإله على البشريّة في كل جيل. محبّته كانت خفرة دائماً. ظنّوه غائباً. حسبوه بطّاشاً. أسقطوا عليه أخيلتهم وأفكارهم. قالوا فيه قاتولاً. خافوه وذبحوا له ليأمنوا ما اعتبروه شرّه عليهم. أما هو فكان أبداً الحجر الذي رذله البنّاؤون لكنّه صار رأساً للزاوية. أرادوه من ابتداعهم، على صورتهم وأرادهم على صورة محبّته. كانوا ينتظرون كل شيء إلاّه على صورة عبد يهوه. "أبصروا ما لم يُخبَروا به. وما لم يسمعوه فهموه" (إش 52: 15). "مَن صدّق خبرنا ولمَن استُعلنت ذراع الربّ... من أرض يابسة لا صورة له ولا جمال فننظر إليه ولا منظر فنشتهيه... فلم نعتدّ به" (إش 53: 1 – 3). أهكذا هو الإله؟! أهكذا هو حبّ الإله؟! صمت والناس مدمنون الثرثرة. مجرَّح والناس يشتهون العافية. سَكَب للموت نفسه والناس يسألون انسكاب الحياة بوفرة فيهم. جاء جهالة وعثرة. كان بديهياً، في حدود سقوطهم، أن ينبذوه. لكنّه قام ومسرّة الربّ بيده نجحت. اعتُلن كما لم يخطر ببال أحد. لذا اندهش منه كثيرون. صار كل شيء به جديداً. المحبّة التي استبانت فيه لا تسقط أبداً.

        هذا بات درب الحياة الأبدية. قَلَب الموازين. غيّر المقاييس. صارت الحياة صليبية المسرى. كل مَن شاء أن يعرفه كان عليه أن يحمل صليبه، أن يُفرغ نفسه كما فعل ذاك. الموت صار نبعاً للحياة الجديدة. الموت من أجل المحبّة. إذ تُغيِّب نفسك، إذا يصير الآخر قِبلتك، إذ تتخطّى نفسك تلقاها. هكذا يصنعك الحبّ جديداً. تصير من معدن الله. تصير أنت فيه وهو فيك. يعطيك ما له. تَدخل الصمتَ الأبلغ من كل كلام. تلج الموت المشبع بالحضرة الإلهية. تغيِّب نفسك فيلدك إلى حياة أبدية.

        أما بعد فللمحبّة ناموسها. وبإزاء ناموس المحبّة أنت سائر من دهش إلى دهش إلى دهش، من عطاء إلى عطاء أكبر إلى عطاء كليّ. كل شيء، بعد ذلك، يأتيك جديداً ولا تعود تعرف العتاقة لأنّك وليد محبّة الله. "ثمّ رأيت سماء جديدة وأرضاً جديدة لأنّ السماء الأولى والأرض الأولى مضتا والبحر لا يوجد في ما بعد... وقال الجالس على العرش ها أنا أصنع كل شيء جديداً" (رؤ 21).

 

الأرشمندريت توما (بيطار)

رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما

 

فهرس نقاط على الحروف