السنة الثالثة - العدد السابع – الأحد 1 تموز 2007

 

مجّد الله أو الزم الصمت!

 

 

        ليست العجائب غرائب عند مَن يحبّون الله لأنّهم يعرفونه. هذا هو الله وهذه أعماله. أيعتبر الإنسان عمل العقل غريباً؟ لماذا؟ لأنّ له عقلاً ولأنّه عارف بعمل العقل. لذلك فقط الذين لا يعرفون الله تعثرهم العجائب ويقاربونها بالكثير من الشكّ. أما الذين يعرفونه فالعجائب لهم شأن طبيعي. هذا كان واقع العديد من القدّيسين الذين أوتوا العجائب. بالمناسبة القدّيسون لا يسألون من الله عجائب ويهربون من الناس الذين يسألونهم. إذاً العديد من القدّيسين كانوا يأتون العجائب عفواً. آخرون اعتبروا سؤل السيّد ووالدة الإله والقدّيسين في أمر من أمور هذا الدهر مهانة. هم كانوا يمتنعون والله، في المقابل، كان يدفق عليهم أنعامه. سئل أحدهم، مرة، أن يصلّي لشفاء طفلة مريضة فأجاب: أنا متى صلّيت قلت: يا ربّ لتكن مشيئتك! آخر سئل من أجل امرأة فيها علّة، فقال: أنا لست قدّيساً. أصلّي، فإذا كنتَ أنتَ مؤمناً استجاب الربّ الإله لك. القدّيس يعرف نفسه، في العمق، أنّه لا شيء ويتصرّف على هذا الأساس، لذلك يعطيه الربّ الإله كل شيء.

        بعض الناس، بإزاء العجائب، يعتبر نفسه غير معنيّ. لا يهمّهم أمر العجائب. يفضّلون عمل العقل وتعاطي الأمور الفكرية في الشأن الكنسي. طبعاً تصديق العجائب، أو ما يقال عنه عجائب، بحاجة إلى تعقّل حتى لا يكون المرء ساذجاً وقابلاً لتصديق كل شيء. هناك كذب وضلال واحتيال شيطاني ايضاً. الحرص حكمة. لكنّ غضّ الطرف بالكامل عن العجائب مغالاة في الرفض. لا هذا الموقف قويم ولا ذاك. في كل حال، الحكم على صحّة العجائب حكم داخلي مرتبط بسلامة الحياة الروحية. الحكم ليس خارجياً وليس بحسب الظاهر. متى كان المرء متمرِّساً في أصول الحياة الروحيّة يتكوّن لديه إحساس عميق بما هو لله وبما ليس لله. هذا يصحّ، بخاصة، على المتّضعين. هؤلاء يعطيهم ربّهم روح التمييز بشكل دقيق. في كل حال متى التبس الأمر على رجل الله امتنع. ما هو نفساني، ما يثير في نفسه تشويشاً أو انفعالات قويّة هذا يجعله يتحفّظ بشدّة. اعتماد رجل الله ليس على قوّة العواطف والمشاعر والأحاسيس. اعتماده، في الحكم على استقامة الأمور، هو على روح الربّ فيه. ما هو من الله ينعكس، في نفس المؤمن، صفاء وسكوناً وشعوراً عميقاً بعدم الاستحقاق، وأحياناً دموعاً هادئة وفرحاً عيمقاً بعيداً عن الانفعال. هذا ما يجعله يدرك، في قرارة نفسه، أن ما هو بإزائه هو من عمل الله.

        ثمّة مَن يتحفّظ بإزاء العجائب خشية الوقوع في الضلال. إذا كان هذا موقفه فمبارك. أما الذين يستخفّون بالعجائب حاسبين إيّاها من صنف التقويّات الساذجة التي تداني، في نظرهم، الأوهام والخرافات فلا يشاؤون أن يعرفوا الله كما يشاء هو أن يُظهر لهم ذاته بل يضعون له حدوداً وحواجز وشروطاً لا يشاؤون أن يعرفوه إلاّ من خلالها أو على أساسها. العقلانيون، بعامة، لا يرغبون في معرفته إلاّ كفكر. لكنّهم إذ يحسبون الله عقلاً يضلّون. ليس الله عقلاً بل روحاً. العقل لا يعرف ما لروح الله. يعرف بعض الجوانب النفسية في الإنسان من جرّاء عمل الروح فيه. أي لا يعرف ما للروح مباشرة بل انعكاس ما للروح في النفس البشرية. ما للروح لا يعرفه إلاّ روح الله ومَن يقيم روح الله فيه. يعرف بالروح. لا يعرف لا بالجسد ولا بالعقل ولا بالنفس. فقط بروح الله إذا سكن روح الله فيه. لذا كان العقلانيون، الذين يقدّمون العقل على كل شيء آخر، بإزاء العجائب، يحجبون عن أنفسهم بأنفسهم بعض ما لروح الله.

        أقلُّه، إذا نشأتَ في بيئة عقلانية، أن تتّضع، أن تمتنع عن إصدار الأحكام والتعميمات العشوائية. إذا كنتَ أنتَ تجد صعوبة بنيوية فكرية تمنعك من قبول ما يقال في شأن العجائب فلا تُفسد بأحكامك وتعميماتك عقول الناس. لماذا تعثر الآخرين؟! اترك البسطاء لبساطتهم! تريد أن تحميهم؟ احمهم من المبالغات، من التطرّف، من السذاجة. لا تقل لهم: هذا خرافات، لا تصدّقوها! اكتف بالإشارة إلى مواقف القدّيسين، إلى حرصهم. بأي حقّ، في كل حال، تحكم على بعض أخبار الأعاجيب بأنها خرافات؟! حتى لو كنت عقلانياً وعلمياً عن حقّ، ما كنت تحكم أصلاً إلاّ بناء لأدلة. كيف تثبت أنّها خبريات؟ أموقف علمي هذا؟ هات براهينك إذا كان لديك، وإلاّ امتنع! أقلّه لكي تكون علمياً قل: بعض الناس يروي كذا وكذا، أما أنا فلا أعرف ولا يمكنني أن أؤكّد ذلك. اترك للآخرين فرصة استقاء معرفة الله بطرق أخرى غير الطرق التي أنت عارف بها. اتّضع ولا تتصرّف كأنّك عارف بكل شيء. هذا أسلم لك وللآخرين حتى لا توجد ناقلاً لأفكارك المشوّشة ومخاوفك وشكوكك بدل أن تكون ناقلاً ما هو من تراث الكنيسة.

        من سنوات سمعت عن كنيسة في بلاد اليونان – لم يعلق اسمها في ذهني – أنّ ثمّة ظاهرة غريبة تجري فيها كل سنة في الأيام التي تسبق عيد رقاد والدة الإله في 15 آب. ثمّ بعد 15 آب تتوقّف الظاهرة ويعود كل شيء إلى مجراه الطبيعي. ومع أنّي شاهدت شيئاً من أحداث هذه الظاهرة على شاشة التلفاز بقيت علامة السؤال ماثلة في نفسي إلى فترة ليست ببعيدة. فقد قرأت بعض التفاصيل الإضافية في شأن هذه الظاهرة. علمت أنّها تحدث في جزيرة كيفالونيا، في قرية اسمها ماركوبولو، على مسافة حوالي خمسة وعشرين كيلومتراً من عاصمة الجزيرة أرغوستولي. يقولون إنّ حيّات غير سامة صغيرة تظهر بأعداد وافرة بين السادس والخامس عشر من شهر آب في كنيسة على اسم السيّدة والدة الإله هناك. هذه تدخل الكنيسة وتتحرّك بين الناس ويقف بعضها أمام إيقونة والدة الإله. لا يخاف الناس منها. بالعكس يعتبرونها بركة. ويقصدون الكنيسة من أمكنة بعيدة ليقفوا على هذه الظاهرة. بعضهم يحمل الحيّات على جسده ويداعبها. قرأت وعاينت إيقونة أمامها حيّة كأنّها في موقف عبادة. نقلتُ الخبر، كما اطّلعت عليه لمجموعة صديقة، وجعلت الآخرين يعاينون الإيقونة. ثمّ قلت: لا أعرف ما إذا كان هذا الخبر صحيحاً أم لا. أتمنّى لو أراه بأمّ العين ولا وسيلة لديّ في الوقت الحاضر للتأكّد من الأمر. لذلك أنقله إليكم على ذمّة الراوي. وإذ كنت أحدّث بما اطلعتُ عليه قالت لي إحدى السامعات الرصينات: ولكن هذا صحيح وأكيد لأنّي أنا عاينته عندما كنت في الخامسة عشرة من عمري. وأنا أخذت إحدى هذه الحيّات وجعلتها على ذراعي. كانت لطيفة ولا تؤذي أحداً. وكان على رؤوس الحيّات علامة تشبه علامة الصليب.

        ما خلفية هذه الظاهرة؟ بعد الاستطلاع تبيّن أنّ الكنيسة التي يجري فيها هذا الأمر كانت، في الأساس، ديراً دكّه العثمانيون. في أي سنة؟ ليس مذكوراً. وكانت هناك في الدير رهبنة نسائية. فلما جاء العثمانيون أرادوا، فيما يبدو، أن يعتدوا على الراهبات. فجأة ظهرت لهم حيّات سامة أرعبتهم فتركوا الراهبات وشأنهم وفرّوا. من ذلك الحين، تظهر حيّات غير سامة، في المكان، عليها علامة الصليب في حوالي عيد رقاد والدة الإله تذكاراً لما حدث في ذلك الزمان.

        ماذا بعد؟ لم يبق لديك سوى أن تذهب أنت بنفسك إلى مركوبولو بين السادس والخامس عشر من شهر آب لترى بنفسك. فإلى أن تذهب وتتأكّد، إذا ما ساورتك الشكوك، صدّق، أقلّه بتحفّظ، ما جرت روايته على لسان شهود عيان. مجّد الله إن أحببت وإلاّ اصمت ودع الناس يمجّدون الله ولا تعثرهم بشكوكك غير المبرّرة!

 

الأرشمندريت توما (بيطار)

رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما

 

فهرس نقاط على الحروف