السنة الثالثة - العدد الخامس – الأحد 17 حزيران 2007

 

لا تكن غير مؤمن بل مؤمناً!

 

 

        "اهتمّوا بما فوق لا بما على الأرض" (كو 3: 2).

        كل ما نهتمّ به هنا يكون ابتغاء ما هو فوق. هذه سيرة المؤمن بيسوع. هنا نحن في عبور. ليس لنا ههنا مكان إقامة دائم. نحن في ارتحال إلى وجه الله. "ليست لنا ههنا مدينة باقية بل نطلب الآتية" (عب 13: 14). همّنا الخيرات الأبدية. أن نستقر في قلب الله. أن تستقر فينا محبّته. أن تكون لنا الحياة الأبدية. أن يكون لنا نصيب في ملكوت السموات. "اطلبوا أولاً ملكوت السموات وبرّه وكل ما عدا ذلك يُزاد لكم" (مت 6: 33). ملكوت السموات أولاً. ليس أن هناك ثانياً وثالثاً، بل نطلب ملكوت السموات في كل شيء. في كل أمر الموضوع هو أن ترتحل أذهاننا إلى فوق. ما نعمله هنا هو مجال للترقّي هناك. ليس شيء ههنا غاية في ذاته. لا نقصد بـ "هنا" و "هناك" مكاناً بل ما هو لله وما هو للناس، ما هو للعالم وما هو للملكوت السماوي. حيث نحن بإمكاننا أن نختبر هذا الأمر وذاك. الطعام، مثلاً، مجال لشكر الله، للاهتمام بالجيّاع، للصيام اكتفاءً بما هو ضروري والتماساً للصلاة ومن ثمّ الاغتذاء بالطعام السماوي، بنعمة الله، بالكلمة الإلهية، بالحضرة الإلهية، بنور الله. ليست الدنيا، في عيوننا، أكلاً لأننا إن أكلنا لا نزيد وإن لم نأكل لا ننقص. موقفنا من كل ما نتعاطاه هنا محكوم بما نلتمسه هناك. رضى الله أولاً هو ما يعنينا. وصيّته لأنّها لحياة أبدية. الدنيويات مجال لاقتناء السماويات. الفانيات سبيل لاقتناء الباقيات. هذه قيمتها. وهذا هو القصد منها، وإلاّ ما كانت لتكون. "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله" الأساس هو الكلمة التي تخرج من فم الله. الخبز نأكله لأنّنا ههنا. طالما نحن هنا فلنا حاجات. لكن حاجاتنا نقضيها على نحو يمجّد الله. "إذا كنتم تأكلون أو تشربون أو تفعلون شيئاً فافعلوا كل شيء لمجد الله" (1 كو 10: 31). نستعين بالأرضيات لاقتناء الخيرات السماوية. تلك ينبغي ألاّ تشغلنا إلا بمقدار ما علينا أن نعمل لنأكل من عرق جبيننا ونعين الذين لا يستطيعون أن يعينوا أنفسهم، مرضى أو مضنوكين أو مقهورين أو فقراء.

        كل ما لدينا وكل مؤسّساتنا نتعاطاه بهذه الروح. ليس فخر الكنيسة في أنّ لها مؤسّسات بل في أنّها تسخّر مؤسّساتها للفقراء والمحتاجين. الدعوة لكل منا، في العمق، هي لأن يكون فقيراً، لأن لا يكون قلبه متعلّقاً في شيء في هذه الدنيا، لأن يكون مستعداً، متى دعت الحاجة، لأن يتخلّى عما لديه، عما جمعه ابتغاء ما هو لله، للملكوت، للفقير. إذا لم تكن محبّتنا للمحتاج أكبر من محبّتنا للجمع فنحن باقون في خطايانا. كثيراً ما يجعلنا الربّ الإله أمام الامتحان، ليعطينا فرصة لأن نتخلّى عما هو لنا ابتغاء ما هو له، ما هو من وصيّته لخيرنا. الاحتيال لا ينفع ولا التعلّل بعلل الخطايا. الله علاّم القلوب. ليس بإمكانك أن تخفي عشقك لذاتك وراء اتّهام الآخَرين بأنّهم كسالى أو بخلاء أو غير مستحقّين. لذلك اعرف نفسك جيّداً. في عيني الله أنت مكشوف. المهم أن تكون مكشوفاً لعيني نفسك لكي تتغيّر، لكي تتوب. كثيرون يكذبون ويصدّقون كذبهم ويعيشون على الكذب. ليست فضيلةٌ إنسانية أهمَّ من أن تعرف نفسك على حقيقتها. وإن عرفتها أن تخرج من نفسك إلى ربّك.

        ثمّ المؤمن لا يطلب – إذا ما أراد أن يَصدق الوصيّة – أقول لا يطلب شيئاً من أمور الدنيا. هذه معطاة له سلفاً وعند الحاجة. ما لا يعطينا إيّاه الربّ الإله ليس موافقاً لنا. أيطلب الإنسان ما هو معطى له؟ نطلب ما هو من الملكوت كما قلنا. نطلب أن تُغفر لنا خطايانا. نطلب الصبر، نطلب الحكمة، نطلب السلام النازل من فوق. نطلب من أجل الإخوة. من أجل الذين لا يعرفون الله. "أن يعرفوك بروحك القدّوس". من أجل سلام كل العالم. من أجل أن تتحقّق مشيئته على الأرض كما في السماء. هذه وأمثالها فقط تستحقّ الطلب. أما أن يطلب رزقاً أو صحّة أو توفيقاً في عمل أو نجاحاً فهذا باطل. وإذا ما انصرف عقلك إلى مثل هذه الطلبات دللت على أنّ عقلك ليس في السماويات. دللت على أنّ عقلك في الأرضيات والله في عينيك وثنٌ خادمٌ لأمور هذا الدهر. يا إنسان! هل سبق لك أن رأيت أحداً سالكاً في رضى الله والله لا يقوته؟! "أعين الكل إيّاك تترجى وأنتَ تعطيهم طعامهم في حينه". "انظروا إلى طيور السماء. إنّها لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع إلى مخازن. وأبوكم السماوي يقوتها. ألستم أنتم بالحري أفضل منها" (مت 6: 26). مشكلتنا، دائماً، أنّنا نخاف أن نؤمن بالله. نؤمن بأنفسنا ولا نؤمن بالله. الإيمان بالله أن تُسلم نفسك إليه، أن تُسلم أمرك إليه. فإذا لم تعتمد في أمورك عليه، إذا لم تترك له مجالاً ليعينك فكيف تكون مؤمناً به؟ من هنا بركة الفقير في المسيح، الفقير الذي اختار بملء إرادته، أن يفتقر لأجل الله، أي الذي تخلّى عما لديه ليجعل نفسه ومصيره وخبزه ويومه وغده وحياته بين يدي الله الحيّ. كيف يختبر الإنسان عمل الله في حياته إذا ما كان يرغب في أن يأخذ مصيره بيديه هو؟ لماذا لا نشعر بأنّ الله حاضر وفاعل فيما بيننا؟ لأنّنا لا نؤمن به، لا نسلمه أمرنا، لا نكتفي بالاهتمام بما يدعونا هو إلى الاهتمام به. ليس الله مقصّراً عن إظهار نفسه لكل مَن يلتجئون إليه. ولكن ما دمنا نتغاضى عنه بعدم تصديقنا لكلامه، بعدم إيماننا به، بعدم تسليمنا أنفسنا إليه فكيف نراه؟ كيف يتراءى لنا؟ الله أقرب إلينا من حبل الوريد. "إن آمنتِ ترين مجد الله" (يو 11: 40). "إن آمنتِ"! بدون إيمان كيف يرى الإنسان مجد الله، نوره، أي كيف يراه كما هو؟ مستحيل! إذا كنت لا تعاين النور المحسوس ما لم تفتح عينيك، فكيف تعاين نور الله غير المحسوس إنْ لم تفتح قلبك بالإيمان، بالتوبة، بالصلاة؟ ليس الله هو الغائب الأكبر بين الناس بل الناس هم الذين يغيّبونه بإعراضهم عنه. الله ليس جسداً. الله روح. والروح لكي يظهر بحاجة إلى تغيير في الكيان، في الموقف الداخلي، في القلب. ما لم تخرج من نفسك، من إيمانك بنفسك، من اعتمادك على نفسك، من عبادتك لنفسك فكيف تبصر الله؟ "لذلك اخرجوا من وسطهم واعتزلوا يقول الربّ ولا تمسّوا نجساً فأقبلكم وأكون لكم أباً وأنتم تكونون لي بنين وبنات يقول الربّ القادر على كل شيء" (2 كو 6: 17 – 18). أخرجوا من وسط الأفكار التي تجعلكم تعبدون أنفسكم أوثاناً. اعتزلوا تعلّقكم بأنفسكم ومشيئاتكم الخاصة. لا تلتزموا موقفاً نجساً يبعدكم عن الله. فإن فعلتم تجدوا الربّ الإله ماثلاً أمامكم. ليس لأنّكم تشتاقون أنتم إليه وحسب بل لأنّه هو مشتاق إليكم بالأكثر. ليس فرح في السماء يداني الفرح بخاطئ واحد يتوب، بشارد واحد يعود إلى ربّه، بإنسان واحد يؤمن. ساعة تتيقّن أنّ الله حيّ وتسلك بإزائه هكذا يمثل أمامك. وهو ماثل أمامك في كل حال. فقط متى خرجت من ذاتيتك فتح عينيك عليه كما فتح أعين بطرس ويوحنا ويعقوب على لاهوته في ثابور.

        الله، يسوع، ماثل عند الباب يدقّ. فمَن يفتح له بإيمان، بتسليم، بمودّة، يدخل إليه ويتعشّى معه! يصير عشيراً له! الله أقرب إلينا مما نتصوّر!

الأرشمندريت توما (بيطار)

رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما

 

فهرس نقاط على الحروف