السنة
الثالثة -
العدد الرابع
– الأحد 10
حزيران
2007
أخلاقية
الحبّ في
السياسة
صعب
عليك، في هذا
البلد، أن
تجالس قوماً
دون أن تتطارح
وإيّاهم
الواقع
السياسي. في
الوطن الصغير،
كل شيء، كل
تفصيل في
الحياة
العامة، ذو
علاقة
بالسياسة، لا
سيما في أوقات
الأزمات. ولمّا
نعرف البلد،
خصوصاً خلال
نصف القرن
المنصرم،
إلاّ غاطساً
في أزمات،
صغيرة أو
كبيرة، تكاد
تجعل البيت
اللبناني
بيتاً متأزّماً
بتواتر.
على
أنّ وسائل
الإعلام
المرئي
والمسموع، في الوقت
الحاضر، تجعل
أكثر السياسة
في التعاطي
صغيرة. كلٌّ
يسمع ويعاين
ما ترغب فيه
نفسه ويغضّ
الطرف، بيسر،
عن الرأي الآخر
والموقف
الآخر. وسائل
الإعلام
تساهم مساهمة كبيرة
في عدم سماع
الناس بعضهم
البعض. ما
يُفترض به أن
يكون معيناً
على التواصل
الميسّر يستحيل
مُعيناً على
إثارة الناس
بعضهم على
البعض الآخر
دون أن تكون
حقيقة الرأي
الآخر معروفة،
بأمانة، لديه.
كأنّي بوسائل
الإعلام تصير
وسائل لغسل
الأدمغة.
وسائل
الإعلام تلعب
على المشاعر
أكثر مما تعين
على تعاطي
الفكر. نحن،
أصلاً، شعب
انفعالي،
وتلك الوسائل
تجيِّش
الانفعالات
في البلد في
اتجاه أو في
آخر ولا تساعد
في انفتاح
الناس
ومقارعة
الفكر للفكر.
من هنا إلهاء
الناس
بالشعارات،
الخاوية
أصلاً، التي
يتطارحها أهل
السياسة
ويُلهُون
الناس بها.
السياسة
الكبيرة فكر
ووقائع ونقد
وتخطيط يتوخّى
ترجمة رعاية
الناس إلى
تدابير. خصمك
في العمل
السياسي هو،
في الحقيقة،
وجهك الآخر، الوجه
الذي لا تراه،
إذا كنت تلتمس
الحقّ والتكامل.
موقفك من نفسك
وعدوّك هو ما
يحدّد كونك
صغيراً أو
كبيراً في
عملك السياسي
ومقاربتك
السياسية. ليس
أحدٌ جامعاً
في ذاته كلَّ
الحقّ. الحقّ
منثور بين
الناس. لا
تكون على حقّ
إذا حسبت رأيك
مطلقاً ليس
قبله شيء ولا
بعده شيء.
أعظم الفضائل في
السياسة
الاتضاع.
موقفان،
بخاصة،
يحدّدان ما
إذا كان مسيرُك
في السياسة
قويماً أو
ملتوياً. إذا
كنت منفتحاً
على خصمك
لدرجة تفطن
معها إلى
مواطن الحقّ
في مواقفه
وتعترف له
بها. وإذا كنت
على قوّة في
النفس تجعلك
تعترف بخطئك
متى زللت ولا
تخاف على
رصيدك بين
الناس. هذان
إن تعاطيتهما
تعاطيت
الكِبَر ولو
ظنّ بعض ذوي
النفوس
الضعيفة أنّك
بذلك تسيء إلى
نفسك. فإن لم
تتعاطاهما بِتَّ
ديماغوجياً
تلعب على
مشاعر الناس
وتستأسرها
لخدمة مراميك.
وفي ذلك خداع
واحتقار
لذكاء الناس.
أسوأ ما في
السياسة
الكذب
والتضخيم
وإخفاء
الحقائق وأن
تشوِّه صورة
عدوّك. فقط
الصغير ينتفخ
ليبدو كبيراً.
وبالعكس
الكبير يتّضع
لأنّه واقعي
في نظرته إلى
نفسه وإلى
خصمه. عدوّك
لا تسعَ إلى
إلغائه لتخلو
لك الساحة.
لأنّه إن كان
في طاقتك
وفعلت فإنّك
تحكم على نفسك
بالتحجّر
والمحدودية.
خصمك في
السياسة تحافظ
عليه وتحبّه
لأنّه مؤشّر
السلامة والحيوية
لديك. لِمَ
علينا أن
نماهي ما بين
الناس
وآرائهم؟
الإنسان شيء
ورأيه شيء
آخر. أما هو
فتحبّه لكي
تبقى لك طلاوة
الحسّ الإنساني،
أما رأيه
فتوافقه في
بعضه وتخالفه
في البعض
الآخر. تسعى
إلى تنقيحه
وتترك له في
المجال أن
ينقّحك.
الحبّ
أساس العمل
السياسي
الكبير حتى لا
تستحيل السياسة
مجالاً
لإفناء الناس
أحدهم للآخر.
في السياسة
الحقّ
المتخالفان
متعاونان، كل
يعين الآخر
على نفسه، وكل
يستعين
بالآخر لتدبير
شؤون الناس.
خصمك تحترمه.
إذا لم تكن
مستعداً لأن
تعطيه حقّه
فلا حقّ لك في
أن تطعن في ما
يقول. تُبدي
ما له أولاً
قبل أن تبدي
ما عليه.
أما
العناد
والطعن في ما
لخصمك إلى ما
لا نهاية ففيه
اختلاس. أنت،
إذ ذاك، تختلس
ما لله، عصمتَه.
وفي ذلك تحيل
السياسة إلى
مجال لعبادة
الذات
واستعباد
الغير.
والنتيجة
تكون أنّك بدل
أن تعزّي
الناس تؤلمهم
وبدل أن
ترعاهم
تشتّتهم،
وبدل أن
تتعهدهم
تبيدهم. لذا
كانت السياسة
عملاً ذا نكهة
إلهية لمَن
يحبّون ويتّضعون
ويتعاونون،
وعملاً ذا
نكهة شيطانية
لمَن
يتحاقدون
ويستكبرون
ويتناطحون.
في
لبنان،
حاضراً، يبحث
المتناظرون
في السياسة،
نزولاً من أهل
السياسة إلى
عامة الناس، عن
الشقاق لا عن
الوحدة، عن
الاختلاف لا
عن الاتفاق.
كأنّي بهم
يجدون لذّة في
مخالفة بعضهم
البعض. كل
يريد أن
يتكلّم ولكن
ليس مَن يسمع.
كل يريد أن
يسجّل مواقف
ولا مَن
يتحاور.
نتكلّم عن الحوار
لكنّنا لا
نتحاور.
للحوار
مقوِّمات
ذكرنا بعضها
أعلاه. الآخر،
في المعمعة
السياسية اللبنانية
الراهنة،
متّهم، قاصر
الفهم، عميل.
لذلك نعالج
قضايانا
بتراشق
الاتهامات والاهانة
والتحقير. إن
لم تكن معي
ومثلي كرهتُك!
هكذا تتحوّل
الساحة
السياسية إلى
ساحة جراح
وتجريح. كل
يحسب الآخر غريباً
عن البيت،
دخيلاً عليه.
في الوطن الصغير
تناقضات؟ لا
بأس! كل
نفسَين في
الدنيا على نقيض
في أشياء وأشياء.
المهم أن يكون
في صدري مكان
لك، وأن تبقى
شريكي رغم كل
شيء. أُعينُك
وتعينني.
وإلاّ أي وطن
يُبنى؟ الوطن
مبني على
تبنّي الذين
يشتركون فيه
بعضهم البعض.
لا
شكّ أننا
بلغنا في
الوطن
المأساة
الكبرى! ليس
أننا نعاني
مشكلات
وصعوبات. هذه
لا بدّ منها
في كل حال، بل
لأنّنا بلغنا
من إلغاء
بعضنا البعض
مبلغاً لم يعد
الوطن معه
واحداً
مشتركاً
بيننا. إذا لم
يكن لنا قلب
واحد فلا يمكن
أن يكون لنا
وطن واحد.
الوطن بناء في
مستوى قلوب
بنيه أولاً.
أخشى أننا في
ممارستنا
السياسية قد
ألغينا الوطن
من أفقنا ونحن
جادّون في
إلغاء مَن يُفترض
بهم أن يكونوا
شركاءنا فيه.
هذه تشكّل الضربة
القاضية
للوطن الصغير!
كأنّنا لا
نستحقّ أن
يكون لنا وطن!
إن
استمرّ الحال
على ما هو
عليه فمصيرنا
الغربة
الكاملة لا
محالة، هنا أو
هناك! ما
هَمَّ، بعدُ،
أين ينتهي بنا
المطاف!
الأرشمندريت
توما (بيطار)
رئيس
دير القدّيس
سلوان
الآثوسي –
دوما